تخطَّ إلى المحتوى

﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴿٢٤﴾﴾

قوله تعالى (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ[١٦] كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)

1912 - قال ابن أبي حاتم 11482:

حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ، ثنا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ (لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ): رَأَى آيَةً مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ حَجَزَهُ اللَّهُ بِهَا، عَنْ مَعْصِيَتِهِ.

1913 - وقال عبد الرزاق 1295:

قَالَ مَعْمَرٌ، قَالَ قَتَادَةُ: "رَأَى صُورَةَ يَعْقُوبَ فِي الْجِدَارِ، فَقَالَ: يَا يُوسُفُ، أَتَعْمَلُ عَمَلَ الْفُجَّارِ وَأَنْتَ مَكْتُوبٌ فِي الْأَنْبِيَاءِ؟ فَاسْتَحيى مِنْهُ ".

1914 - وقال ابن أبي حاتم 11483:

حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، ثنا صَفْوَانُ، ثنا الْوَلِيدُ، ثنا خُلَيْدٌ وَسَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مَثُلَ لَهُ يَعْقُوبُ عَاضًّا عَلَى أُصْبُعَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: أَيَا يُوسُف، أَتَهُمُّ[١٧] بِعَمَلِ السُّفَهَاءِ(1) وَأَنْتَ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ؟ فَذَلِكَ الْبُرْهَانُ، فَانْتَزَعَ اللَّهُ كُلَّ شَهْوَةٍ كَانَتْ فِي مَفَاصِلِهِ.

[١٦] يقول ابن أبي حاتم في تفسيره 11478: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ، ثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، ثنا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قِيلَ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَا بَلَغَ مِنْ هَمِّ يُوسُفَ؟ قَالَ: أَطْلَقَ تِكَّةَ سَرَاوِيلِهِ، وَقَعَدَ مِنْهَا ذَلِكَ الْمَقْعَدَ، فَمَثُلَ لَهُ يَعْقُوبُ فِي سَقْفِ الْبَيْتِ عَاضًّا عَلَى إِبْهَامِهِ، فَانْتَزَعَ اللَّهُ كُلَّ شَهْوَةٍ كَانَتْ فِي جَسَدِهِ فَخَرَجَ يَسْعَى إِلَى بَابِ الْبَيْتِ .اهـ وهذا قاله كل الناس: ابن عباس وأصحابه، وقاله الحسن وابن سيرين وقتادة، وقاله السدي، وقاله الأوزاعي، وقاله ابن أبي زمنين الأندلسي في "تفسيره 2/321 ". ثم يأتي في آخر الزمان أناس يقولون هذه تفاسير مظلمة وما علموا أن الظلمة في قلوبهم. ويعارضون تفاسيرهم باللغة وتارة يقولون إسرائيلية وكأن السلف دراويش ما يعرفون لا لغة ولا شيء. فلا بارك الله في مثل هذه العقول. يقول البخاري في "صحيحه 7363 ": حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ وَكِتَابُكُمْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحْدَثُ تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ. وَقَدْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ وَغَيَّرُوهُ وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ الْكِتَابَ وَقَالُوا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. أَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنْ الْعِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ لَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا يَسْأَلُكُمْ عَنْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ ".اهـ أفيقال بعد هذا إسرائيلية؟ وقال المروزي في "زوائد الزهد 1162 ": حَدَّثَنَا الهَيْثَمُ بن جَمِيلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الجَبَّارِ بَنْ الوَرْدِ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاء بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ مَجْلِسًا قَطُّ أَكْرَمُ مِنْ مَجْلِسِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَكْثَرَ فِقْهًا، وَلاَ أَعْظَمَ جَفْنة، أَصْحَابُ القُرْآنِ عِنْدَهُ يَسْأَلُونَهُ، وَأَصْحَابُ العَرَبِيَّةِ عِنْدَهُ يَسْأَلُونَهُ، وَأَصْحَابُ الشِّعْرِ عِنْدَهُ يَسْأَلُونَهُ، فَكُلُّهُمْ يَصْدُرُ فِي رَأْيِ وَاسِعٍ ". اهـ فمثل هذا الإمام يُعترض عليه بالسياق اللغوي؟. يقول أبو جعفر النحاس في "الناسخ والمنسوخ": إذا تكلم أحد المتأخرين في معنى آية من القرآن قد تقدم كلام المتقدمين فيها فخرج عن قولهم لم يلتفت إلى قوله ولم يعد هذا خلافا .اهـ وقال ابن أبي زيد القيرواني في النوادر والزيادات 1/5: "ليس لأحدٍ أَنْ يُحْدِثَ قولاً أو تَأْويلاً لم يَسْبِقْهُ به سَلَفٌ، وإنه إذا ثَبَت عن صاحبٍ قَوْلٌ لا يُحْفَظُ عن غيرِه من الصحابةِ خِلاَفٌ له ولا وِفَاقٌ أنَّه لا يسَع خِلافُه. وقال ذلك معَنا الشافعيُّ، وأهلُ العراقِ ".اهـ يقول لك: الخلاف إنما يكون بين الصحابة إذا وجد، أما إذ لم يوجد فلا يسعك أن تخالف صحابي. وقال ابن عبد الهادي في الرد على السبكي 1/318: "ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه ولا بينوه للأمة، فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا وضلوا عنه، واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر، فكيف إذا كان التأويل يخالف تأويلهم ويناقضه، وبطلان هذا التأويل أظهر من أن يطنب في رده ".اهـ ولسان حال هؤلاء: "نحن أهدى وأعلم ". وصدق إبراهيم النخعي حينما قال: "لم يدخر لكم شيء خبئ من القوم لفضل عندكم ". [جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر].اهـ وقد قال الإمام أحمد وقد سأله ابنه صالح عن معنى قول إبراهيم؟ فقال: "إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخر عنهم ". [مسائل صالح 214].اهـ ومما يدل على أن الهم وقع قوله تعالى (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالفَحْشَاء) فلو كان الله عصمه ابتداء لما حصل له الهم [السوء] على فعل ما لا ينبغي [الفحشاء] لو كنتم تعقلون!. ولو كان الهم همّ طاعة ما قال الله "لنصرف"، أيصرف عنه الطاعة؟ فأين تذهبون؟.

[١٧] هذا أيضا فيه إثبات وقوع الهم، ففرّق بين الهم وبين عمل السفهاء كما في قوله تعالى (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء)، وبعضهم يظن أنه يدافع عن نبيّ الله بإنكار وقوع الهم، والأمر بخلاف ذلك، ونبي الله يوسف عليه السلام قد اجتمعت عليه كل أسباب الوقوع في الفحشاء ومع ذلك نجّاه الله. فقد كان شابا خارج بلده وقد أوتي من الحُسن ما أوتي حتى أنه في بعض الروايات كان إذا اقتربت منه امرأة يغطي وجهه مخافة أن تفتتن به، وامرأة العزيز هي الداعية له وجاء في بعض الروايات أن نبي الله يوسف صلى الله عليه وسلم لما تزوجها وجدها بكرا وكان زوجها لا يأتي النساء، وقد غلقت عليه الأبواب وتهيأت له ووو ثم نجاه الله سبحانه وتعالى. وقد روى أحمد في مسنده 36، من حديث سعد رضي الله عنه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: "الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ "، قَالَ: "يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ فِي بَلائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ، فَلا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الأَرْضِ وَمَا لَهُ خَطِيئَةٌ " .اهـ قال ابن قتيبة في "مشكل القرآن": "و كتأولهم في قوله سبحانه: وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها أنها همّت بالمعصية، و همّ بالفرار منها! و قال بعضهم: و همّ بضربها! و اللّه تعالى يقول: (لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ). أفتراه أراد الفرار منها. أو الضرب لها، فلما رأى البرهان أقام عندها وأمسك عن ضربها؟! هذا ما ليس به خفاء ولا يغلط متأوّله. ولكنها همّت منه بالمعصية همّ نيّة واعتقاد، وهمّ نبي اللّه صلى الله عليه وسلم، همّا عارضا بعد طول المراودة، وعند حدوث الشهوة التي أتي أكثر الأنبياء في هفواتهم منها. وقد روي في الحديث: أنه ليس من نبي إلا و قد أخطأ أو همّ بخطيئة غير يحيى بن زكريا، عليهما السلام، لأنّه كان حصورا لا يأتي النساء و لا يريدهنّ ".اهـ وقد صح هذا الذي ذكره ابن قتيبة عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه. يقول ابن عساكر في تاريخ دمشق 70047: وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الأَصْبَهَانِيِّ، نا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: "مَا أَحَدٌ إِلا يَلْقَى اللَّهَ بِذَنْبٍ، إِلا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، ثُمَّ تَلا: (وَسَيِّدًا وَحَصُورًا) سورة آل عمران آية 39، ثُمَّ رَفَعَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ، فَقَالَ: مَا كَانَ مَعَهُ إِلا مِثْلَ هَذَا، ثُمَّ ذبح ذَبْحًا ".اهـ وما أدري لعله لو نشر نبي الله من قبره وقال لهم هممت لما صدقوه. يقول ابن أبي خيثمة في تاريخه 1/ 451 - 1658: حدثنا مصعب بن عبد الله، قال: حدثنا مصعب بن عثمان، قال: كان سليمان بن يسار من أحسن الناس وجها، فدخلت عليه امرأة تستفتيه فسامته نفسه فامتنع عنها، وذكرّها، فقالت له: لئن لم تفعل لأشهرنك ولأصيحن بك، فخرج وتركها في البيت، قال: فرأى في منامه يوسف النبي، قال فقال له: أنت يوسف؟ قال: أنا يوسف الذي هممت وأنت سليمان الذي لم يهم .اهـ سليمان بن يسار من فقهاء المدينة.

تفسير قتادة · الصفحة ٦٦٥

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.