تخطَّ إلى المحتوى

تَفْسِير

أَبِي الخَطَّابِ

قَتَادَة بن دِعَامَة السَّدُوسِيّ

(1445 ه)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

فقد قال عبد الرزاق في تفسيره 349: نا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 269] قَالَ:

"الْحِكْمَةُ: الْقُرْآنُ، وَالْفِقْهُ فِي الْقُرْآنِ ".اهـوكان يحيى بن أبي كثير يقول: "دراسة القرآن صلاة ". [الحلية لأبي نعيم].اهـ

وها نحن مع تابعي جليل من أهل القرآن ومن أهل الفقه في القرآن

"أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي "رحمه الله ورضي عنه.

جاء في طبقات المفسرين 2/47، لمحمد بن علي الداودي:

" 415 - قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز السّدوسيّ.

الحَافِظُ العَلاَّمَةُ، أَبُو الخَطَّابِ البَصْرِي، الضَّرِيرُ الأَكْمَهُ الْمُفَسِّرُ. رَأْسُ الطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ، رَوَى تَفْسيِرَهُ عَنْهُ شَيْبَان[١] بَن عَبْدِ الرَّحْمَن التَّمِيمِي مَوْلاَهُمُ النَّحْوِي أَبُو مُعَاوِيَةَ البَصْرِي.

حَدَّثَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بَن سَرْجَس، وَمعَاذَة، وَخَلْق.

وَعَنْهُ مِسْعَر، وَابْنُ أَبِي عَرُوبَة، وَشَيْبَان، وَشُعْبَة، وَمَعْمَر. وَأَبَان بَنْ يَزِيد وَأَبُو عَوَانَة، وَحَمَّاد بَنْ سَلَمَة «وَأُمَمٌ سِوَاهُمْ».

قَالَ مَعْمَرٌ: أَقَامَ قَتَادَة عِنْدَ سَعِيد بْنَ المُسَيِّب ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ فَقَالَ لَهُ فِي اليَوْمِ الثَّامِنِ: ارْتَحِلْ يَا أَعْمَى فَقَدْ [أَنزفْتَنِي].

قَالَ قَتَادَة: مَا قُلْتُ لِمُحَدِّثٍ قَطُّ: أَعِدْ عَلَيَّ، وَمَا سَمِعَتْ أُذُنَايَ شَيْئًا قَطُّ إِلاَّ وَعَاهُ قَلْبِي.

قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: قَتَادَة أَحْفَظُ النَّاسِ.

وَقَالَ مَعْمَرٌ: سَمِعْتُ قَتَادَة يَقُولُ: مَا فِي القُرْآنِ آيَةٌ إِلاَّ وَقَدْ سَمِعْتُ فِيهَا شَيْئًا.

قَالَ الإِمَامُ أَحْمَد بَن حَنْبَل: قَتَادَة عَالِمٌ بِالتَّفْسِيرِ وَبِاخْتِلاَفِ العُلَمَاءِ، وَوَصَفَهُ بِالفِقْهِ وَالحِفْظِ، وَأَطْنَبَ فِي ذِكْرِهِ، وَقَالَ: قَلَّ أَنْ تَجِدَ مَنْ يَتَقَدَّمُهُ. وَقَالَ: كَانَ قَتَادَة أَحْفَظُ أَهْلِ البَصْرَةِ، لاَ يَسْمَعُ شَيْئًا إِلاَّ حَفِظَهُ، قُرِئَتْ عَلَيْهِ صَحِيفَةُ جَابِرٍ مَرَّةً فَحَفِظَهَا.

قَالَ شُعْبَة: قَصَصْتُ عَلَى قَتَادَة سَبْعِينَ حَدِيثًا كُلّهًا يَقُولُ فِيهَا: سَمِعْتُ ابْنَ مَالِكٍ، إِلاَّ أَرْبَعَة. وَقَالَ همَّام: سَمِعْتُ قَتَادَة يَقُولُ: مَا أَفْتَيْتُ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةٍ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِي: أَوَ كَانَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُ قَتَادَة؟. وَقَالَ مَعْمَرٌ قُلْتُ لِلزُّهْرِي: أَقَتَادَة أَعْلَمُ عِنْدَكَ أَوْ مَكْحُول؟ قَالَ: بَلْ قَتَادَة."اهـ

وقال مسلم في التمييز 19:

حَدثنَا عبد بن حميد ثَنَا عبد الرَّزَّاق أَنا معمر قَالَ: قَالَ قَتَادَة لسَعِيد احفظ عَليّ الْمُصحف قَالَ فافتح سُورَة الْبَقَرَة فقرأها حَتَّى خَتمهَا ثمَّ قَالَ هَل أسقطت شَيْئا؟ قَالَ سعيد لَا. فَقَالَ: أَنا لصحيفة جَابر أحفظ من سُورَة الْبَقَرَة وَمَا قرئ عَليّ إلا مرّة.

و قال الترمذي في جامعه 2952:

حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَزْمٍ، أَخُو حَزْمٍ القُطَعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الجَوْنِيُّ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ». هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الحَدِيثِ فِي سُهَيْلِ بْنِ أَبِي حَزْمٍ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ، أَنَّهُمْ شَدَّدُوا فِي هَذَا فِي أَنْ يُفَسَّرَ القُرْآنُ بِغَيْرِ عِلْمٍ. وَأَمَّا الَّذِي رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا القُرْآنَ، فَلَيْسَ الظَّنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي القُرْآنِ أَوْ فَسَّرُوهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَوْ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا، أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ. "اهـ

من ذلك ما روى عبد الرزاق في تفسيره ٨ قال:

نَا مَعْمَر قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ: "مَا في الْقُرْآنِ آيَةٌ إِلاَّ وَقَدْ سَمِعْتُ فِيهَا شَيْئًا " .اهـ

والتفسير، الكلام فيه شديد، لأنه رواية عن الله.

يقول الترمذي في جامعه / بَابُ مَا جَاءَ فِي الَّذِي يُفَسِّرُ القُرْآنَ بِرَأْيِهِ:

2950: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».

قال الترمذي: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ».

وقال آدم بن أبي إياس في العلم 26:

حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن القاسم بن محمد، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال: أي أرض تُقلّني، وأي سماء تُظلُّني إذا قلت في آية من كتاب الله برأيٍ.

رواه البيهقي في شعب الإيمان 3/540، وقال: وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، كَذَلِكَ مُرْسَلًا، وَقَالَ فِي مَتْنِهِ: "إِذَا أَنَا قُلْتُ فِي آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ بِغَيْرِ مَا أَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهَا ".

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن ص 377:

حدثنا هشيم أنبأنا عمر بن أبى زائدة، عن الشعبي، عن مسروق قال: "اتقوا التفسير، فإنما هو الرّواية عن الله ".

وقال الطبري في تفسيره 98: حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن ابن أبي مُليكة: أنّ ابن عباس سُئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها، فأبى أن يقول فيها.

وقال الطبري في تفسيره 102: حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبد الله بن أبي السَّفَر، قال: قال الشّعبي: والله مَا مِن آية إلا قد سألتُ عنها، ولكنها الروايةُ عن الله.

وقال الطبري في تفسيره 75:

حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، قال: لقد أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليعظّمون القول في التفسير، منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع.

هؤلاء علماء أهل المدينة في زمنهم، ومع رفيع منزلتهم يتّقون التفسير ويعظّمون القول فيه،

وقال اللالكائي في السنّة ١٢٧٤: أَخْبَرَنَا [عَبْدُ] اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ ثنا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عِصْمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: يَا أَيُّوبُ اضْبِطْ عَنِّي أَرْبَعًا: لَا تَقُولَنَّ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِكَ، وَإِيَّاكَ وَالْقَدَرَ، وَإِذَا ذُكِرَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ فَأَمْسِكْ، وَلَا تُمَكِّنْ أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ سَمْعَكَ فَيُغَيِّرُوا قَلْبَكَ.

حتى أن مسلم بن يسار البصري كان يقول: "إِذَا حَدَّثْتَ عَنِ اللَّهِ حَدِيثًا فَقِفْ حَتَّى تَنْظُرَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ ".[فضائل القرآن لأبي عبيد]

والآثار في الباب كثيرة لكن فقط للإشارة. فالأمر شديد بما تحمله الكلمة من معنى، ومع ذلك تجد الناس يتكلمون في الباب بكل أريحية،

عياذا بالله من الخذلان.

وكان تفسير قتادة رحمه الله مشهورا عند الأوائل يذكرونه في تفاسيرهم وكلامهم وإليك بعض ما يثبت هذا الأمر:

قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 4/65:

حدثني أبي قال سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يكن لسعيد بن أبي عروبة كتب إنما كان حفظ ذلك كله، وزعموا أن سعيدا قال: لم أكتب إلا تفسير قتادة، وذلك أن أبا معشر كتب إليَّ أن اكتبه.

وقال ابن عدي في الكامل 3/187:

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بحر المطيري، حَدَّثَنا عَبد اللَّهِ بن الدورقي قال: ذهب يَحْيى بن مَعِين معنا إلى الحسن بن عَمْرو الباهلي سمع منه ما فات عباس النرسي من تفسير قتادة وكان يرضاه.

وقال يحيى بن سلام في تفسيره:

1/52: وَفِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ خَلَقَهَا لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ.

1/65: قَالَ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [النحل: 41] الْمَدِينَةَ مَنْزِلا فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ.

1/74: ﴿ذُلُلا﴾ [النحل: 69] مُطِيعَةً فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ.

1/163 قَالَ: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: 93] وَالزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ ...

وقال إسحاق البستي في تفسيره:

في تفسير قتادة: ﴿وَاسْتَمِع يَوْمَ يُنَاد الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيب﴾، كُنا نُحدَّث أنه يُنادي من بيت المقدس، من الصخرة، وهي أوسط الأرض، وحُدِّثنا أن كعبًا قال: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلًا .اهـ

وقال ابن أبي زمنين في تفسيره:

1/120 ﴿الَّذين يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ يَعْنِي: يصدقون بِالْبَعْثِ والحساب، وَالْجَنَّة وَالنَّار؛ فِي تَفْسِير قَتَادَة

2/340 ﴿وَرفع أَبَوَيْهِ على الْعَرْش﴾ أَيْ: عَلَى سَرِيرِهِ؛ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَة ...

بل كان تفسير قتادة عند الأئمة معتمدا يفتون به.

قال عبد الله بن أحمد في العلل و معرفة الرجال 1320:

"سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ (يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ)؟ فَقَالَ: قَالَ قَتَادَة: مَا كَانَ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنَ الحِسَابِ وَالجَنَّةِ وَالنَّارِ. سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)؟ فَقَالَ: قَالَ قَتَادَة: جَعَلَهُ اللهُ هُدًى وَضِيَاءً لِمَنْ صَدَّقِ بِهِ يَعْنِي القُرْآن. سَأَلْتُهُ عَنِ اليَقِينِ؟ قَالَ: يَعْلَمُ أَنَّ الصَّلاَةَ حَقٌّ يُؤْمِنُ [بـ]هَذِهِ الأَشْيَاءِ يَعْنِي مِثْلَ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ. سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ)؟ فَقَالَ: تَقِيُّ الأَشْيَاءِ لاَ يَقَعُ فِيمَا لاَ يَحِلُّ لَهُ. "اهـ

وقال البيهقي في الخلافيّات 5:

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قراءةً عليه، قال: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري، يقول: سمعت أبا العباس محمد بن أحمد بن بَالُويَه، يقول: سمعت إسحاق بن رَاهُويَهْ يقول: دخلتُ يومًا على عبد الله بن طاهر وإذا عِنده إبراهيم بن أبي صالح، فقال عبد الله بن طاهر لأبراهيم: يا إبراهيم ما تقول في غسل الثياب، فريضة هو أم سًنّة؟ فأطرق إبراهيم ساعةً ثم رفع رأسه فقال: أعزَّ الله الأمير، غسل الثياب فريضة. فقال له عبد الله: من أين تقول يا إبراهيم؟ قال: من قول الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾؛ فأمره بتطهير ثيابه.

قال: فكأن عبد الله استحسن ذلك من قوله.

قال إسحاق: فرفعت رأسي فقلت: أعزَّ الله الأمير، كذب هذا على الله وعلى رسوله؛ أخبرنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن سِماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله ﴿وثيابك فطهر﴾، قال: قلبكَ فنَقِّه. وأخبرنا روح بن عبادة، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في قوله ﴿وثيابك فطهر﴾، قال: عملكَ فأصلِحْه.

ثم ذكر إسحاق حديثا عن ابن عباس "من قال في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار".

فقال عبد الله بن طاهر لإبراهيم بن أبي صالح: إيّاك أن تنطق في القرآن بغير علم! .اهـ

و كان الإمام أحمد إذا ذكر قتادة، أطال الكلام فيه وتوسع احتفاءً به.

فقد جاء في موسوعة أقوال الإمام أحمد في رجال الحديث و علله 3/180:

"قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِي: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَذَكَرَ قَتَادَة فَأَطْنَبَ فِي ذِكْرِهِ فَجَعَلَ يَنْشُرُ مِنْ عِلْمِهِ وَفِقْهِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِالاخْتِلاَفِ وَالتَّفْسِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَجَعَلَ يَقُولُ: عَالِمٌ بِتَفْسِيرِ القُرْآنِ، وَبِاخْتِلاَفِ العُلَمَاءِ وَوَصَفَهُ بِالحِفْظِ وَالفِقْهِ، وَقَالَ: قَلَّمَا تَجِدُ مَنْ يَتَقَدَّمُهُ، أَمَّا المثْلُ فَلَعَّلَ. «الجرح والتعديل» 7/ (756) .

وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: كَانَ قَتَادَة أَحْفَظ أَهْلِ البَصْرَةِ لاَ يَسْمَعُ شَيْئًا إِلاَّ حَفِظَهُ، وَقُرِئَ عَلَيْهِ صَحِيفَةُ جِابِرٍ مَرَّةً وَاحِدَةً فَحَفِظَهَا، وَكَانَ سُلَيْمَان التَّيْمِي، وَأَيُّوب يَحْتَاجُونَ إِلَى حِفْظِهِ يَسْأَلُونَهُ وَكَانَ مِنَ العُلَمَاءِ، كَانَ لَهُ خَمْسٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً يَوْمَ مَاتَ. «الجرح والتعديل» 7/(756). وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِي: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَن بَنْ إِبْرَاهِيم، عَنْ أَحْمَد بَنْ حَنْبَل: أَنَّ قَتَادَة جَلَسَ مَجْلِسَ الحَسَنْ. «تاريخه» (1135) . "اهـ

وكان قتادة شديدا على أهل البدع:

قال البغوي في الجعديات 1060:

حَدَّثَنَا صَالِحٌ، نا عَلِيٌّ قَالَ: وَقَالَ يَحْيَى [القطان]: أَخْرَجَ قَتَادَةُ حَيَّانَ الْأَعْرَجَ مِنَ الْحُجْرَةِ،

قُلْتُ لَهُ: لِمَ أَخْرَجَهُ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ ذَكَرَ عُثْمَانَ،

قَالَ عَلِيُّ: قُلْتُ لِيَحْيَى: مَنْ أَخْبَرَكَ؟ قَالَ: أَصْحَابُنَا.

"وَسَمِعَ قَوْمًا، يُفَضِّلُونَ عَلِيًّا عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛

فَغَضِبَ وَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى هَذَا أُولِيكُمْ، يَعْنِي أَهْلَ الْبَصْرَةِ» ". [الجعديات 1055]

توفي رحمه الله سنة 117 هـ

قال البغوي في الجعديات 1073:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ، عَنِ ابْنِ عَائِشَةَ قَالَ: «مَاتَ قَتَادَةُ بِوَاسِطَ، كَانَ عِنْدَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ».

وقال البغوي أيضا 1072:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْزَجَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: «مَاتَ قَتَادَةُ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ .اهـ

رحمة الله عليه.

وقد كنت جمعت شيئا من آثاره "مَا صَحَّ مِنْ آثَارِ قَتَادَة بِنْ دِعَامَة رَحِمَهُ الله "، في الزهد والآداب وبعض أبواب العبادة.

وهذا جمع لما صح من أقواله في تفسير كتاب الله عز وجل.

فعَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ الْأَشْجَعِيِّ، قَالَ: كَانَ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ لِي جَارًا، فَقَالَ لِي يَوْمًا:

«يَا هَنّاهْ، تَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا اسْتَطَعْتَ،

وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَسْتَ تَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِ». [فضائل القرآن لأبي عبيد].اهـ

يريد القرآن، وخبّاب بن الأرتّ التميميّ صحابيّ جليل من السباقين إلى الإسلام.

وكان سعيد بن جبير يقول:

"مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ، ثُمَّ لَمْ يُفَسِّرْهُ، كَانَ كَالأَعْمَى أَوْ كَالأَعْرَابِيّ ".

[تفسير الطبري 1/81].اهـ

وقال ياقوت الحموي في معجم الأدباء 2453:

وَقَالَ أَبُو بَكْر مُحَمَّد بَنْ مُجَاهِد: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ [يعني الطبري صاحب التفسير] يَقُولُ:

"إِنيِّ أَعْجَبُ مِمَّنْ قَرَأَ القُرْآنَ وَلَمْ يَعْلَمْ تَأْوِيلَهُ كَيْفَ يَلْتَذُّ بِقِرَاءَتِهِ ". اهـ

وقد كان قتادة رحمه الله يقول:

"بَابٌ مِنَ الْعِلْمِ يَحْفَظُهُ الرَّجُلُ يَطْلُبُ بِهِ صَلَاحَ نَفْسِهِ وَصَلَاحَ النَّاسِ،

أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ حَوْلٍ كَامِلٍ " .

[حلية الأولياء لأبي نعيم].اهـ

وقد بدأت هذا السفر قبل عشر سنوات، بفضل الله ومنّه سنة 1435 هـ

وقد مر معي خلال هذا الجمع:

تفسير أهل مكة (ابن عباس رضي الله عنه وأصحابه "عكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وطاوس وعطاء وجابر بن زيد". وتفسير ابن أبي مليكة وابن جريج وسفيان بن عيينة وغيرهم)

وتفسير أهل المدينة (عمر رضي الله عنه وابنه عبد الله رضي الله عنه، وحفيده سالم، وسعيد بن المسيب وأبو صالح السمان ومحمد القرظي والزهري وعبد الرحمن بن زيد وغيرهم)

وتفسير أهل البصرة (أبو موسى رضي الله عنه وأنس رضي الله عنه، وأبو العالية ومطرف وأبو مالك الغفاري والحسن وابن سيرين وقتادة وغيرهم)، وقتادة كان موافقا لأهل مكة في عامة التفسير وخالف الحسن في مواطن كثيرة.

وتفسير أهل الكوفة (عليّ رضي الله عنه وابن مسعود رضي الله عنه وأصحابه خاصة "أبو وائل وعلقمة"، والشعبي وإسماعيل السدّي وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وغيرهم)

ومن أهل الشام (أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه، وكعب المسلم والأوزاعي وغيرهم)

ومن أهل خراسان: الضحاك بن مزاحم وغيره.

وقرأت خلال هذا الجمع، مجموعة من كتب التفسير المسندة، واستعنت أيضا بما كنت جمعت من آثار وأخبار الصالحين رضي الله عنهم وأرضاهم.

وسبحان الله لو تضع هذه الكتب بين يديك لربما هالك الأمر، ولكن الحمد لله بدأت بعشر آيات عشر آيات حتى منّ الله، فله الحمد وله الشكر الذي بنعمته وفضله تتم الصالحات.

فالله أسأل التوفيق والسداد. وأسأله جل في علاه أن يرزقنا الإيمان والعمل،

ولا حول ولا قوة إلا بالله.

[قتادة والقول بالقدر]

وهنا وقفة بخصوص ما رُمِيَ به قتادة من القول بالقدر، ليس نفيا للعلم وإنما الكلام في الإرادة وخلق الأفعال.

فقد جاء في السير للذهبي:

"قال ابن المديني: وسمعت يحيى، يقول عن شعبة قال: ذكرت لقتادة حديث احتج آدم وموسى، فقال: مجنون أنت، وإيش هذا؟، قد كان الحسن يحدث بها ".اهـ

يقول ابن تيمية في منهاج السنة 3/24:

"ولهذا أُتهم بمذهب القدر غير واحد ولم يكونوا قدرية، بل كانوا لا يقبلون الاحتجاج على المعاصي بالقدر، كما قيل للإمام أحمد رحمه الله: كان ابن أبي ذئب قدرياً؟ فقال: الناس كل من شدد عليهم المعاصي قالوا: هذا قدري ". اهـ

و قال أيضا: "والأولون أيضا يمنعون الاحتجاج بالقدر، فإن الاحتجاج به باطل باتفاق أهل الملل وذوي العقول، وإنما يحَتج به على القبائح والمظالم من هو متناقض القول متّبعٌ لهواه، كما قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري، أيّ مذهب وافق هواك تمذهبت به ". اهـ

وقد اتهم قتادة بالقول بالقدر وكان طاوس إذا رآه فرَّ منه، وكان مالك بن أنس يعيب على معمر روايته تفسير قتادة وقال: "أيّ رجلٍ معمرٌ لولا أنَّه يروي تفسير قتادة ". [السنّة للالكائي 4/637]، ولا يعلم أن أحدا تابع مالكا على هذا، حتى أن تلميذه ابن وهب روى عن قتادة في تفسيره وإن كان على استحياء.

وقد نص العجلي على أن قتادة كان "لاَ يَدْعُو إِلَيْهِ، وَلاَ يَتَكَلَّمُ فِيهِ ". حتَّى أن أبا داود صاحب السنن قال: "لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا عَنْ قَتَادَة القَوْل باِلقَدَرِ ".

وروى ابن بطة في الإبانة 1787، عن الأوزاعي قال: "لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِن التَّابِعِينَ تَكَلَّمَ فِي القَدَرِ إِلَّا هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ: الْحَسَن وَمَكْحُول، فَكَشَفْنَا عَنْ ذَلِكَ فَإِذَا هُوَ بَاطِلٌ ".

وهذا نص جيد في براءة قتادة،

والصحيح الذي لا مِرية فيه، أن الرجل صرَّح بقول أهل الحق في هذه المسألة.

وهذه بعض الأدلة على أنه يثبت القدر علما وكتابة ومشيئة وخلقا:

1/ قال الله تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) - [الفاتحة]

يقول ابن أبي حاتم في تفسيره 28:

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، ثنا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ مَطَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) دَلَّ عَلى نَفْسِهِ أَنَّهُ كَذَا فَقُولُوا.

وقال أيضا 29: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قَالَ: يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ، وَأَنْ تَسْتَعِينُوهُ عَلَى أَمَرَكُمْ.

والقدرية لا يقولون بهذا. و لما وَلِيَ هشام، أرسل إلى غيلان، فقال:

"أَلَيْسَ قَدْ عَاهَدْت اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لِعُمَر [يعني ابن عبد العزيز رحمه الله] أَن لاَ تَتَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الأَمْرِ أَبَدًا؟ قَالَ: أَقِلْنِي فَوَاللهِ لاَ أَعُودُ. قَالَ: لاَ أَقَالَنِي اللهُ إِنْ أَقَلْتُكَ، هَلْ تَقْرَأُ فَاتِحَةَ الكِتَابِ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: فَاقْرَأْ، فَقَرَأَ ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين الرَّحْمَنِ الرَّحِيم مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ قَالَ: قِفْ. عَلاَمَ اسْتَعَنْتَهُ، عَلَى أَمْرِ بِيَدِهِ لاَ تَسْتَطِيعُهُ إِلاَّ بِهِ، أَوْ عَلَى أَمْرٍ فِي يَدِكَ أَوْ بِيَدِكَ؟ اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَاضْرِبُوا عُنُقَهُ، وَاصْلِبُوهُ. ". [السنّة لعبد الله بن أحمد 825].اهـ

2/ وقال ابن تيمة في المجموع (16/ 140-141):

"وَقَالَ عبد بن حميد: حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ شيبان عَنْ قتادة: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قَالَ: "لَا وَاَللَّهِ مَا أَكْرَهَ اللَّهُ عَبْدًا عَلَى مَعْصِيَةٍ قَطُّ وَلَا عَلَى ضَلَالَةٍ وَلَا رَضِيَهَا لَهُ وَلَا أَمَرَهُ وَلَكِنْ رَضِيَ لَكُمْ الطَّاعَةَ فَأَمَرَكُمْ بِهَا وَنَهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ ". قُلْت: قَتَادَة ذَكَرَ هَذَا عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَا قَدَّرَهُ مِنْ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقتادة وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُتَنَازِعِينَ فَي مَا سَبَقَ مِنْ سَبْقِ تَقْدِيرِ اللَّهِ وَإِنَّمَا كَانَ نِزَاعُ بَعْضِهِمْ فِي الْإِرَادَةِ وَخَلْقِ الْأَفْعَالِ.

وَإِنَّمَا نَازَعَ فِي التَّقْدِيرِ السَّابِقِ وَالْكِتَابِ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَبَرَّأَ مِنْهُمْ الصَّحَابَةُ كَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا. وَذَكَرَ قتادة أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكْرَهْ أَحَدًا عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَهَذَا صَحِيحٌ، فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُكْرِهُ أَحَدًا عَلَى مَعْصِيَةٍ كَمَا يُكْرِهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا لِلْمَخْلُوقِ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ يُكْرِهُونَهُ بِالْعُقُوبَةِ وَالْوَعِيدِ، بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُ إرَادَةَ الْعَبْدِ لِلْعَمَلِ وَقُدْرَتَهُ وَعَمَلَهُ وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قتادة قَدْ يُظَنُّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ وَأَنَّهُ لِسَبَبِ مِثْلِ هَذَا اُتُّهِمَ قتادة بِالْقَدَرِ حَتَّى قِيلَ: إنَّ مَالِكًا كَرِهَ لِمَعْمَرٍ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ التَّفْسِيرَ لِكَوْنِهِ اُتُّهِمَ بِالْقَدَرِ. وَهَذَا الْقَوْلُ حَقٌّ وَلَمْ يُعْرَفْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ قَالَ "إنَّ اللَّهَ أَكْرَهَ أَحَدًا عَلَى مَعْصِيَةٍ ".اهـ

3/ وقال عبد الرزاق في مصنفه 20101:

عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنِ الْقَدَرِ، فَقَالَ: مَا قَدَّرَ اللَّهُ فَقَدْ قَدَّرَهُ.

4/ وقال البخاري في خلق أفعال العباد:

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ زَيْدٍ النُّمَيْرِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، وَقَالَ هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ: "كَانَتِ الْعَرَبُ تُثْبِتُ الْقَدَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ ".

من ذلك أيضا ما رواه البيهقي في القضاء والقدر، قال:

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنا محمد بن يونس، نا سعيد بن عامر، أنا جويرية بن أسماء، عن سعيد بن أبي عروبة، قال: سألت قتادة عن القدر قال: «تسألني عن رأي العرب والعجم، إن العرب في جاهليتها وإسلامها كانت تثبت القدر،

وأنشدني في ذلك بيت شعر: ما كان قطعي هول كل تنوفة ... إلا كتاب قد خلا مسطور».

5/ وقال الطبري في تفسيره 16312:

حَدَّثَنَا بِشْر قَالَ، حَدَّثَنَا يَزِيد قَالَ، حَدَّثَنَا سَعِيد، عَنْ قَتَادَة قَوْلهُ: (لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، كَانَ سَبَقَ لَهُمْ مِنَ اللهِ خَيْرٌ، وَأَحَلَّ لَهُمُ الغَنَائِمَ.

قول قتادة "وَأَحَلَّ لَهُمُ الغَنَائِمَ "يعني في أمّ الكتاب.

أما القدرية فيقولون الأمر أُنُف. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

6/ وقال الطبري في تفسيره 19/586:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا) قال: نُودوا: يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني، واستجبت لكم قبل أن تَدْعُوني.

7/ وقال الطبري في تفسيره 23/304:

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ (الْجَبَّارُ) قَالَ: جَبَرَ خَلْقَهُ عَلَى مَا يَشَاءُ .اهـ

أما أهل البدع فيقولون "جبر الله العباد على المعاصي "، وقد كره الإمام أحمد أيضا قول من يقول "إِنَّ اللَّهَ جَبَرَ الْعِبَادَ عَلَى الطَّاعَةِ"، قَالَ: بِئْسَ مَا قَالَهُ. [السنة للخلال 921].اهـ

وقال أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: رَجُلٌ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ جَبَرَ الْعِبَادَ، فَقَالَ: «هَكَذَا لَا تَقُلْ» وَأَنْكَرَ هَذَا، وَقَالَ: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: 93]. [الخلال 920].اهـ

ونص قتادة جيد. فالمشيئة لا تكون إلا كونية، ولا تشترط فيها المحبة بخلاف الإرادة.

قال الله تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقال تعالى (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) فالله يريد لخلقه أن يعبدوه وحده ويؤمنوا به ويتبعوا رسله وهذا الذي رضيه لهم، ولكن شاء سبحانه وهو الحكيم الخبير، أن يكون شرك وكفر ومعصية ولذلك خلق إبليس. يقول عمر بن ذر: خرجت وافدا إلى عمر بن عبد العزيز في نفر من أهل الكوفة، وكان معنا صاحب لنا يتكلم في القدر، فسألنا عمر عن حوائجنا؟ ثم ذكرنا له القدر، فقال: "والله لو أراد الله ألا يعصى ما خلق إبليس. ثم قال: قد بيّن الله ذلك في كتابه: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ "، قال: فرجع صاحبنا ذلك عنِ القدر.[سنن ابن منصور].اهـ وفي رواية قال "لَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ لَا يُعْصَى مَا خَلَقَ إِبْلِيسَ، وَهُوَ رَأْسُ الْخَطِيئَةِ ". [القدر للفريابي].اهـ

8/ وقال أبو زرعة الدمشقي في تاريخه 897: [وهو يتكلم عن سعيد بن بشير]

وَرَأَيْتُهُ مَوْضِعًا عِنْدَ أَبِي مُسْهِرٍ لِلْحَدِيثِ، سَمِعْتُ أَبَا مُسْهِرٍ، يَقُولُ: "أَتَيْنَا سَعِيدَ بْنَ بَشِيرٍ، أَنَا، وَمُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ الشَّرَ، وَيُعَذِّبُ عَلَيْهِ "، ثُمَّ قَالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَرَدْتُ الْخَيْرَ، فَوَقَعْتُ فِي الشَّرِّ، أَنْبَأَنَا قَتَادَةُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) سورة مريم آية 83 قَالَ: تُزْعِجُهُمْ إِلَى الْمَعَاصِي إِزْعَاجًا ". قَالَ أَبُو مُسْهِرٍ "إِنَّهُ اعْتَذَرَ مِنْ كَلِمَتِهِ، فَاسْتَغْفَرَ، وَحُمِلَ عَنْهُ " . اهـ

فانظر كيف فَزِعَ الرجل إلى قول قتادة لما زلّت قدمه عن الصواب، و التقدير هنا بمعنى الخلق والقدرية يقولون: الله لا يخلق الشر.

9/ وقال عبد الله في العلل 622:

حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عَفَّان قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاذ بن مُعَاذ قَالَ: جَاءَ الأَشْعَثُ بن عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى قَتَادَة فَقَالَ لَهُ قَتَادَة: مِنْ أَيْنَ؟. لَعَلَّكَ دَخَلْتَ فِي هَذِهِ الْمُعْتَزِلَة؟. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّهُ لَزِمَ الحَسَن وَمُحَمَّدًا. قَالَ: هِي هَا الله، إِذًا فَالْزَمْهُمَا .اهـ

الحسن هو البصري ومحمد هو ابن سيرين.

والمعتزلة قدرية، يقول الخطابي في معالم السنن:

"إنما جعلناهم مجوسا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلين، وهما النور والظلمة، يزعمون أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة، فصاروا ثنوية، وكذلك القدرية، يضيفون الخير إلى الله عز وجل والشر إلى غيره، والله سبحانه وتعالى خالق الخير والشر، لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته". اهـ

10/ وقال ابن أبي حاتم في تفسيره 16773:

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثَنَا شَيْبَانُ، ثَنَا أَبُو هِلالٍ، ثنا قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي) قَالَ: عَرَفَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَيْنَ الْمَخْرَجِ، يُرَادُ الْمَخْرَجُ. فَلَمْ يُلْقِ ذَنْبَهُ عَلَى رَبِّهِ.

قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: أَيْ من جهة المقدور.

يريد نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم لما قتل القِبطي، وفيه الرد على القدرية والجبرية أيضا.

11/ وقال البيهقي في القضاء والقدر 484:

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، أنا أَبُو سَهْلِ بْنُ زِيَادٍ الْقَطَّانُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ، نا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، نا الْحَكَمُ بْنُ عُمَرَ الرُّعَيْنِيُّ قَالَ: أَرْسَلَنِي خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى قَتَادَةَ وَهُوَ بِالْحِيرَةِ أَسْأَلُهُ عَنْ مَسَائِلَ، فَكَانَ فِيمَا سَأَلْتُ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) [سورة الحج آية 17] هُمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ؟ قَالَ: "لاَ، وَلَكِنَّهُمُ الزَّنَادِقَةُ الْمَنَانِيَّةُ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ شَرِيكًا فِي خَلْقِهِ . قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الْخَيْرَ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَخْلُقُ الشَّرَّ، وَلَيْسَ لِلَّهِ عَلَى الشَّيْطَانِ قُدْرَةٌ ".اهـ

سموا المنانية نسبة إلى "ماني" [بلاد فارس القرن 3م]،

وكان يقول هما اثنان: إله ظلمة وإله نور.

وهذا من أقوى ما وقفت عليه في براءة الرجل من هذا الشرك.

فلا يحسن بالمرأ أن يأتي بعد كل هذا ويقول قتادة قدري، فإنّه من الظلم بمكان.

إلا أن يكون صاحب هوى، فإن الهوى يهوي بصاحبه.

وكان الحافظ سفيان بن عيينة يقول:

"إِنَّ العَبْدَ إِذَا هَوَى شَيْئًا نَسِيَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَلَا ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾. [ذم الكلام للهروي 934].اهـ

هذا وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

[فائدة بخصوص الحروف]

يقول أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن ١\٣٢٥:

حُدِّثْتُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ [لاحق بن حميد]: أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُمْقِهِمْ؛ كَانَ مِمَّا عَابُوا عَلَى عُثْمَانَ تَمْزِيقِهِ الْمَصَاحِفَ، ثُمَّ قَبِلُوا مَا نَسْخَ .

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:

"يَقُولُ: إِنَّهُ كَانَ مَأْمُونًا عَلَى مَا أُسْقِطَ، كَمَا هُوَ مَأْمُونٌ عَلَى مَا نَسَخَ.

وَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: لَوْ وُلِّيتُ الْمَصَاحِفَ لَصَنَعْتُ فِيهَا الَّذِي صَنَعَ عُثْمَانُ.

وَقَالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ حِينَ فَعَلَ عُثْمَانُ مَا فَعَلَ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَنْكَرَ ذَلِكَ،

يَعْنِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ.

وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالَّذِي أَلَّفَهُ عُثْمَانُ، هُوَ الَّذِي بَيْنَ ظَهْرِي الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ، وَهُوَ الَّذِي يُحْكَمُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا مِثْلَمَا يُحْكَمُ عَلَى الْمُرْتَدِّ مِنَ الِاسْتِتَابَةِ، فَإِنْ أَبَى فَالْقَتْلُ. فَأَمَّا مَا جَاءَ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ الَّتِي لَمْ يُؤْخَذْ عِلْمُهَا إِلَّا بِالْإِسْنَادِ وَالرِّوَايَاتِ الَّتِي يَعْرِفُهَا الْخَاصَّةُ مِنَ الْعُلَمَاءِ دُونَ عَوَّامِ النَّاسِ،

فَإِنَّمَا أَرَادَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْهَا أَنْ يَسْتَشْهِدُوا بِهَا عَلَى تَأْوِيلِ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ، وَتَكُونُ دَلَائِلَ عَلَى مَعْرِفَةِ مَعَانِيهِ وَعِلْمِ وُجُوهِهِ،

وَذَلِكَ كَقِرَاءَةِ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ)

وَكَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (وَالسَّارِقُونَ وِالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمْ)،

وَمَثَلِ قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ فَاءُوا فِيهِنَّ)، وَكَقِرَاءَةِ سَعْدٍ (فَإِنْ كَانَ لَهُ أَخٌّ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمِّهِ)

وَكَمَا قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ)،

وَكَذَلِكَ قِرَاءَةِ جَابِرٍ (فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .

فَهَذِهِ الْحُرُوفُ وَأَشْبَاهٌ لَهَا كَثِيرَةٌ قَدْ صَارَتْ مُفَسِّرَةً لِلْقُرْآنِ، وَقَدْ كَانَ يُرَى مِثْلُ هَذَا عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ فِي التَّفْسِيرِ فَيُسْتَحْسَنُ ذَلِكَ، فَكَيْفَ إِذَا رُوِيَ عَنْ لُبَابِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ صَارَ فِي نَفْسِ الْقِرَاءَةِ؟ فَهُوَ الْآنَ أَكْثَرُ مِنَ التَّفْسِيرِ وَأَقْوَى،

وَأَدْنَى مَا يُسْتَنْبَطُ مِنْ عِلْمِ هَذِهِ الْحُرُوفِ مَعْرِفَةُ صِحَّةِ التَّأْوِيلِ. عَلَى أَنَّهَا مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي لَا تَعْرِفُ الْعَامَّةُ فَضْلَهُ. إِنَّمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ.

وَكَذَلِكَ يَعْتَبِرُ بِهَا وَجْهُ الْقِرَاءَةِ، كَقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ [الأنعام: ٥٧] فَلَمَّا وَجَدْتهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (يَقْضِي بِالْحَقِّ) عَلِمْت أَنْتَ أَنَّمَا هِيَ يَقْضِي الْحَقَّ، فَقَرَأْتَهَا أَنْتَ عَلَى مَا فِي الْمُصْحَفِ، وَاعْتَبَرْتَ صِحَّتَهَا بِتِلْكَ الْقِرَاءَةِ. وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢] لَمَّا وَجَدْتُهَا فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ (تُنَبِّئُهُمْ) عَلِمْتُ أَنَّ وَجْهَ الْقِرَاءَةِ تُكَلِّمُهُمْ.

فِي أَشْيَاءَ مِنْ هَذِهِ كَثِيرَةٍ لَوْ تُدُبِّرَتْ وُجِدَ فِيهَا عِلْمٌ وَاسِعٌ لِمَنْ فَهِمَهُ ". انتهى كلامه

من الأمثلة على ما ذكر أبو عبيد رحمه الله، ما رواه البغوي في الجعديات ٢٥١، قال:

حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، أنا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قال: "كُنَّا لَا نَدْرِي مَا الزُّخْرُفُ، حَتَّى رَأَيْنَاهُ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ ذَهَبٍ) .اهـ

من ذلك أيضا ما رواه آدم العسقلاني في تفسيره، عن مجاهد قَالَ: كُنَّا نَرَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4] "شَيْءٌ هَيِّنٌ حَتَّى وَجَدْنَاهُ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «فَقَدْ زَاغَتْ قُلُوبُكُمَا» .اهـ

وكان مجاهد بن جبر يقول: "لَوْ كُنْتُ قَرَأْتُ قِرَاءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ، لَمْ أَحْتَجْ إِلَى أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْقُرْآنِ مِمَّا سَأَلْتُ ". [جامع أبي عيسى الترمذي 5/200].اهـ

وهذا باب عظيم من أبواب التفسير،

هذا وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

[فائدة بخصوص غريب القرآن]

الذي ظهر لي - والله تعالى أعلم - أن من غريب القرآن ما يأتي تفسيره في الآية التي بعدها أو قبلها، وفي مواطن تجد المعنى في نفس الآية، وسأضرب لذلك أمثله حتى يتبين المراد:

- "شططا "، "لا تشطط "

كلمة الشطط جاء ذكرها في مواطن من كتاب الله،

تأتي بمعنى الكذب

وتأتي أيضا بمعنى الظلم.

من ذلك قول الفتية في سورة الكهف (لقد قلنا إذا شططا)،

جاء بعدها (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا)

أيضا في سورة الجن جاء الشطط بمعنى الكذب.

قوله تعالى (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا)، قال قتادة: يَقُولُ كَذِبًا.

جاء بعدها (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا)

أما في سورة ص، جاء الشطط بمعنى الظلم،

قول الخصمين لنبي الله داود صلى الله عليه وسلم (فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ) أي لا تظلم،

جاء بعدها (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ) وقوله أيضا (فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ).

- "يصلي عليكم "، "صلوات من ربهم "

من ذلك ما جاء في سورة البقرة قوله تعالى (أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ)

والصلاة من الله رحمة.

جاء أيضا في سورة الأحزاب (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا)

روى يحيى بن سلام في تفسيره، عن الحسن البصري قال: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَتْ لِمُوسَى: سَلْ لَنَا رَبَّكَ هَلْ يُصَلِّي لَعَلَّنَا نُصَلِّي بِصَلاةِ رَبِّنَا، قَالَ: فَأَخْبِرْهُمْ عَنِّي أَنِّي أُصَلِّي، وَأَنَّ صَلاتِي عَلَيْهِمْ: "لِتَسْبِقَ رَحْمَتِي غَضَبِي"، وَلَوْلا ذَلِكَ لَهَلَكُوا .اهـ

وقال الترمذي في جامعه:

"وَرُوِي عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، قَالُوا: «صَلَاةُ الرَّبِّ الرَّحْمَةُ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ الِاسْتِغْفَارُ» ".اهـ

وقال الطبري في تفسيره عند قوله تعالى (إن الله وملائكته يصلون على النبي):

"أن الله يرحم النبي، وتدعو له ملائكته ويستغفرون ".

- "أَسِفا "، "أَسَفَى "

الأسف هو الغضب، ويأتي أيضا بمعنى الحزن

جاء بمعنى الغضب

في سورة الأعراف، قوله تعالى (فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا)

جاء بعدها قوله تعالى (ولما سكت عن موسى الغضب)

أيضا كما في قوله تعالى (فلما آسفونا انتقمنا منهم) أي أغضبونا.

وقيل لابن جريج في شيء، أتغضب؟ فقال: قد غضب خالق الأحلام إن الله تعالى يقول ﴿فلما آسفونا﴾ قال: أغضبونا.

ويأتي الأسف أيضا بمعنى الحزن

كما في سورة يوسف، قوله تعالى (وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ) أي يا حزنا عليه.

جاء بعدها قوله تعالى (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)

- "لن يستنكف "

من ذلك أيضا قوله تعالى في سورة النساء

(لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)

قال ابن عباس رضي الله عنه (لن يستنكف): لن يستكبر.

جاء بعدها في نفس الآية قوله تعالى (وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا)

- "حفيّ "

الحفيّ بالشيء أي العالم به

من ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف (يسألونك عن الساعة كأنك حفي عنها)

أي عالم بها.

جاء بعدها قوله تعالى (قل إنما علمها عند الله)

- "القسط "

من ذلك أيضا قوله تعالى في سورة النساء (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ)

قال سعيد بن جبير: قوامين بالعدل.

جاء بعدها في نفس الآية قوله تعالى (فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا)

- "وكيل "

قوله تعالى في سورة الأنعام (وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل)

وهما شيء واحد: وكيل أي حفيظ.

قال ابن أبي زمنين في تفسيره: ﴿وَمَا أَنْت عَلَيْهِم بوكيل﴾ أَي: بحفيظ لأعمالهم.

كما في قوله تعالى (فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل)

قال قتادة: (وكيل) أي حفيظ.

- "حنيفا "

من ذلك قوله تعالى في سورة النحل (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

حنيفا: أي مستقيما

قال الطبري: (حنيفا): يقول: مستقيما على دين الإسلام.

جاء بعدها قوله تعالى (شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)

وهذا خلاف من يقول أن الحنيف هو المائل !

قال مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القرظي: الْحَنِيفُ الْمُسْتَقِيمُ.

وقال أبو قلابة: الْحَنِيفُ: الَّذِي يُؤْمِنُ بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ.

وقال خصيف: الْحَنِيفُ الْمُخْلِصُ.

[تفسير ابن ابي حاتم].اهـ

وفي خبر زيد بن عمرو بن نفيل قال: وَمَا الحَنِيفُ؟

قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا، وَلاَ نَصْرَانِيًّا، وَلاَ يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ.

[البخاري 3827].اهـ

وقال الطبري في موضع آخر: "وأما "الحنيف"، فإنه المستقيم من كل شيء ".اهـ

فالحنيف المستقيم، وليس المائل.

- "الملّة "

من ذلك قوله تعالى في سورة يوسف (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ)

الملة: أي الدين.

قال الطبري في تفسيره:

"يعني بقوله (واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب): واتبعت دينهم، لا دين أهل الشرك ".

جاء بعدها قوله تعالى (ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)

- "أيّام الله "

من ذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم (وذكّرهم بأيّام الله)

أي: بنعم الله،

قاله مجاهد وقتادة وغيرهم

جاء بعدها قوله تعالى (وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم) الآية.

- "زلقا "، "جرزا "

من ذلك أيضا قوله تعالى في سورة الكهف (فتُصبحَ صعيدا زَلقا)

زلقا: أي لا شيء فيها،

وهي مثل قوله تعالى في أول السورة (صعيدا جُرزا)

قاله ابن عباس رضي الله عنه وعبد الرحمن بن زيد.

جاء بعدها قوله تعالى (فأصبح يقلّب كفّيه على ما أنفق فيها وهي خاوية)

- "طائره "

من ذلك قوله تعالى في سورة بني إسرائيل (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه)

روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن أنس رضي الله عنه (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) [الإسراء] قال: كتابه.

يريد كتاب عمله.

جاء بعدها قوله تعالى (ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك)

- "أكنّة "

من ذلك أيضا قوله تعالى في سورة الإسراء (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا 45 وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا)

الأكنّة هي الأغطية والحجب

روى عبد الرزاق في تفسيره عن قتادة: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: 45] قال: «هِيَ الْأَكِنَّةُ».

وهي كقوله تعالى في فصلت (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ)

- "الوسيلة "

من ذلك أيضا قوله تعالى في سورة الإسراء (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ)

قال قتادة (الوسيلة): القربة والزلفة.

جاء بعدها قوله تعالى في نفس الآية (أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ)

- "ضلّ "

الضلال يأتي بمعنى الانحراف والزيغ كما في قوله ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا﴾

ويأتي أيضا بمعنى الخفاء كما في قوله تعالى ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾

ويأتي أيضا بمعنى الترك كما في قوله تعالى ﴿نسوا الله فنسيهم﴾

ويأتي بمعنى النسيان، وهو المراد ذكره

قوله تعالى في سورة طه (قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى)

قال مجاهد: هما شيء واحد.

وهي كقوله تعالى (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ) [طه]

عن ابن عباس رضي الله عنه (فنسي) قال: ضل عنه.

وقوله تعالى (فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ) [البقرة]

هذا في الشهادة، (أن تضل) أي أن تنسى .

ومن تتبع هذا وجد منه شيئا كثيرا، والله تعالى أعلم، هذا وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

يليه الجزء الأول

"من سورة الفاتحة إلى سورة النحل "

[١] وكان الأئمة يقدمون تفسير سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. يقول الخطيب في "تاريخ بغداد ": أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بَنْ عَبْدِ الوَاحِدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن العَبَّاسِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بَنْ سَعِيد بَنْ مرَابَا، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاس بْن مُحَمَّد، قَالَ: سَأَلْتُ يَحْيَى بَنْ مَعِين: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ، تَفْسِير سَعِيد عَنْ قَتَادَة، أَوْ تَفْسِير شَيْبَان عَنْ قَتَادَة؟ قَالَ: تَفْسِيرُ سَعِيدٍ."اهـ و قال أبو داود في مسائله [٤٩٢]: سَمِعت أَحْمد يَقُول هِشَام الدستوَائي ثبت وَلَكِن لَو برز لسَعِيد أَيْن كَانَ يَقع مِنْهُ. سَمِعت أَحْمد يَقُول: كَانَ سعيد بن أبي عرُوبَة يحفظ التَّفْسِير عَن قَتَادَة .اهـ و قال [٥٣٢]: سَمِعت أَحْمد قيل لَهُ تَفْسِير قَتَادَة؟ قَالَ: إِن كتبته عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن سعيد فَلَا تُبالي أَن لَا تكتبه عَن أحد .اهـ وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل 276 ": قلت لأبي زرعة: سعيد بن أبى عروبة أحفظ أو أبان العطار فقال سعيد أحفظ، وأثبت أصحاب قتادة هشام وسعيد". اهـ وجاء في "تهذيب الكمال ": "قال أَبُو حاتم: سمعت أحمد بْن حنبل، يَقُولُ: لم يكن لسعيد بْن أبي عروبة كتاب، إنما كان يحفظ ذلك كله، وزعموا أن سعيدا قال: لم أكتب إلا تفسير قتادة، وذلك أن أبا معشر كتب إليَّ أن أكتبه. وقال أَبُو بَكْرِ بْن أبي خيثمة: عَنْ يحيى بْن معين، أثبت الناس فِي قتادة: سَعِيد بْن أبي عروبة، وهشام الدستوائي، وشُعبة، فمن حدثك من هؤلاء الثلاثة بحديث يعني: عَنْ قتادة، فلا تبالي أن لا تسمعه من غيره. "اهـ وممن روى تفسير التابعي قتادة كذلك معمر بن راشد وكان مكثرا، وهشام الدستوائي، وسعيد بن بشير وأبان بن يزيد العطار وخالد بن قيس ومطر بن طهمان الورّاق.

تفسير قتادة · الصفحة ٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.