﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ﴿٢٠﴾﴾
قوله تعالى (وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ)
5183 - قال عبد الرزاق 2986:
عَنْ مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: 20] قَالَ: يَقُولُ لِلْمُعْتَبِرِينَ: اعْتَبِرُوا فِي أَنْفُسِكُمْ، يَقُولُ: فِي خَلْقِهِ أَيْضًا إِذَا فَكَرَّ فِيهِ مُعْتَبَرٌ.
5184 - وقال الطبري 22/419:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ) إذا سار في أرض الله رأى عبرا وآياتٍ عظاما.
﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿٢١﴾ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴿٢٢﴾ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ﴿٢٣﴾﴾
قوله تعالى (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ[١٢] ﴿21﴾ وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ[١٣] وَمَا تُوعَدُونَ ﴿22﴾ فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالأَرْضِ[١٤] إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ)
5185 - قال إسحاق البستي في تفسيره:
وفي تفسير قتادة: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، من تفكر في خلق نفسه عرف أنما خُلق ولُيِّنَتْ مَفَاصِلُهُ للعبادة.
[١٢] يقول عبد الرزاق في تفسيره 2987: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُرْتَفِعِ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، يَخْطُبُ يَقُولُ: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21] قَالَ: «سَبِيلُ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ» .اهـ وعن عبد الرحمن بن زيد في قوله (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ)، وقرأ قول الله تبارك وتعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) قال: وفينا آيات كثيرة، هذا السمع والبصر واللسان والقلب، لا يدري أحد ما هو أسود أو أحمر، وهذا الكلام الذي يتلجلج به، وهذا القلب أيّ شيء هو، إنما هو مضغة في جوفه، يجعل الله فيه العقل، أفيدري أحد ما ذاك العقل، وما صفته، وكيف هو .اهـ وقد صرّح ابن زيد هنا بأن العقل في القلب.
[١٣] يقول أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن 162: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن السائب، قال: أخّر عمر بن الخطاب - كرم الله وجهه - العشاء الآخرة فصليت، ودخل فكان في ظهري، فقرأت: والذاريات ذروا حتى أتيت على قوله: (وفي السماء رزقكم وما توعدون)، فرفع صوته حتى ملأ المسجد: أشهد .اهـ وقال البستي في تفسيره: حدثنا ابن أبي عمر، نا سفيان، عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن الحسن أنه كان إذا نظر إلى السحاب قال: فيه والله رزقکم، ولكنكم تحرمونه بخطاياكم وأعمالكم .اهـ وقال أيضا: سمعت ابن أبي عمر، يقول: قال سفيان [ابن عيينة] في قول الله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ الغيث ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ الجنة .اهـ ولما أظهر المأمون القول بخلق القرآن أمر بامتحان عفان بن مسلم، وإذا لم يُجب يقطع رزقه وهو خمسمائة درهم في الشهر وفي رواية ألف درهم، فلما سئل قال: (وفي السماء رزقكم وما توعدون)، وخرج ولم يجب .[تاريخ بغداد].اهـ رحمه الله، وفي قراءة (وفي السماء رازقكم) وفيه الرد على الجهمية.
[١٤] روى البيهقي في شعب الإيمان، عن عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ قُرَيْبٍ الْأَصْمَعِيَّ قَالَ: "أَقْبَلْتُ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ مَسْجِدِ الْجَامِعِ بِالْبَصْرَةِ فَبَيْنَا أَنَا فِي بَعْضِ سِكَكِهَا إِذْ أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ جِلْفٌ جَافٍ عَلَى قَعُودٍ لَهُ، مُتَقَلِّدًا سَيْفَهُ، وَبِيَدِهِ قَوْسٌ، فَدَنَا وَسَلَّمَ، وَقَالَ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ فَقُلْتُ: مِنْ بَنِي الْأَصْمعِ، فَقَالَ لِي: أَنْتَ الْأَصْمَعِيُّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ مَوْضِعٍ يُتْلَى كَلَامُ الرَّحْمَنِ فِيهِ، قَالَ: أَوَ لِلرَّحْمَنِ كَلَامٌ يَتْلُوهُ الْآدَمِيُّونَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا أَعْرَابِيُّ، فَقَالَ: أَتْلُ عَلَيَّ شَيْئًا مِنْهُ، فَقُلْتُ: انْزِلْ مِنْ قَعُودِكَ، فَنَزَلَ وَابْتَدَأْتُ بِسُورَةِ الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22] قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: هَذَا كَلَامُ الرَّحْمَنِ؟ قُلْتُ: إِي وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَلَامُهُ أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لِي: حَسْبُكَ. فَقَامَ إِلَى نَاقَتِهِ فَنَحَرَهَا بِسَيْفِهِ، وَقَطَّعَهَا بِجِلْدِهَا وَقَالَ: أَعِنِّي عَلَى تَفْرِقَتِهَا، فَوَزَّعْنَاهَا عَلَى مَنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، ثُمَّ كَسَّرَ سَيْفَهُ، وَقَوْسَهُ، وَجَعَلَهَا تَحْتَ الرَّمْلَةِ، وَوَلَّى مُدْبِرًا نَحْوَ الْبَادِيَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22] يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا تَغَيَّبَ عَنِّي فِي حِيطَانِ الْبَصْرَةِ، أَقْبَلْتُ عَلَى نَفْسِي أَلُومُهَا، وَقُلْتُ: يَا أَصْمَعِيُّ، قَرَأْتَ الْقُرْآنَ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَمَرَرْتَ بِهَذِهِ وَأَمْثَالِهَا وَأَشْبَاهِهَا فَلَمْ تَتَنَبَّهْ لِمَا تَنَبَّهَ لَهُ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ لِلرَّحْمَنِ كَلَامًا. فَلَمَّا قَضَى اللهُ مِنْ أَمْرِي مَا أَحَبَّ، حَجَجْتُ مَعَ هَارُونَ الرَّشِيدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَبَيْنَا أَنَا أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ إِذَا أَخْبَرَنَا بِهَاتِفٍ يَهْتِفُ بِصَوْتٍ رَقِيقٍ: تَعَالَ يَا أَصْمَعِيُّ، تَعَالَ يَا أَصْمَعِيُّ، قَالَ فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا أَنَا بِالْأَعْرَابِيِّ مَنْهُوكًا مُصْفَارًّا، فَجَاءَ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، وَأَخَذَ بِيَدِي وَأَجْلَسَنِي وَرَاءَ الْمَقَامِ، فَقَالَ: اتْلُ مِنْ كَلَامِ الرَّحْمَنِ ذَلِكَ الَّذِي تَتْلُوهُ فَابْتَدَأْتُ ثَانِيًا بِسُورَةِ الذَّارِيَاتِ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22] صَاحَ الْأَعْرَابِيُّ، وَقَالَ: قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، ثُمَّ قَالَ: يَا أَصْمَعِيُّ، هَلْ غَيْرُ هَذَا لِلرَّحْمَنِ كَلَامٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَا أَعْرَابِيُّ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: 23]: فَصَاحَ الْأَعْرَابِيُّ عِنْدَهَا وَقَالَ: يَا سُبْحَانَ اللهِ، مَنْ ذَا أَغْضَبَ الْجَلِيلَ حَتَّى حَلَفَ؟. أفَلَمْ يُصَدِّقُوهُ بِقَوْلِهِ حَتَّى أَلْجَؤُوهُ إِلَى الْيَمِينِ قَالَهَا: ثَلَاثًا وَخَرَجَتْ نَفْسُهُ ".اهـ