تخطَّ إلى المحتوى

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿٥٤﴾﴾

قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ)

1103 - قال الطبري 12184:

حَدَّثَنَا بِشْر قَالَ، حَدَّثَنَا يَزِيد بَنْ زُرَيْع قَالَ، حَدَّثَنَا سَعِيد، عَنْ قَتَادَة: (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، إِلَى قَوْلِهِ: (وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، أَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ وَقَدْ عَلِمَ أَنْ سَيَرْتَدُّ مُرْتَدُّونَ مِنَ النَّاسِ، فَلَمَّا قَبَضَ اللهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم، ارْتَدَّ عَامَّةُ العَرَبِ عَنِ الإِسْلاَمِ إِلاَّ ثَلاَثَةُ مَسَاجِد: أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلُ مَكَّةَ، وَأَهْلُ البَحْرَيْنِ مِنْ عَبْدِ القَيْس. قَالُوا: نُصَلِّي وَلاَ نُزَكِّي، وَاللهِ لاَ تُغْصَبُ أَمْوَالُنَا! فَكُلِّمَ أَبُو بَكْر فِي ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَوْ قَدْ فُقِّهُوا لِهَذَا أَعْطَوْهَا، أَوْ: أَدَّوْهَا. فَقَالَ: لاَ وَاللهِ، لاَ أُفَرِّقُ بَيْنَ شَيْءٍ جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُ، وَلَوْ مَنَعُوا عِقَالاً مِمَّا فَرَضَ اللهُ وَرَسُولُهُ لَقَاتَلْنَاهُمْ عَلَيْهِ! فَبَعَثَ اللهُ عِصَابَةً مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَاتَلَ عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى سَبَى وَقَتَلَ وَحَرَّقَ بِالنِيرَانِ أُنَاسًا[٣٦] ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلاَمِ وَمَنَعُوا الزَّكَاةَ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى أَقَرُّوا بِالْمَاعُونِ - وَهِيَ الزَّكَاةُ - صَغِرَةً أَقْمِيَاء. فَأَتَتْهُ وُفُودُ العَرَبِ، فَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ خُطَّةٍ مُخْزِيَةٍ أَوْ حَرْبٍ مُجْلِيَةٍ. فَاخْتَارُوا الخُطَّةَ المخْزِيَةَ، وَكَانَتْ أَهْوَن عَلَيْهِمْ أَنْ يُقِرُّوا: أَنَّ قَتْلاَهُمْ فِي النَّارِ، وَأَنَّ قَتْلَى الْمؤْمِنِينَ فِي الجَنَّةِ، وَأَنَّ مَا أَصَابُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَالٍ رَدُّوهُ عَلَيْهِمْ، وَمَا أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ فَهُوَ لَهُمْ حَلاَلٌ.

[٣٦] استغربت أن يكون أبو بكر رضي الله عنه حرق المرتدين بالنار إلا أن يكون قد رماهم بها بالمنجنيق، وقد أفادني أخونا عبد الله الخليفي وفقه الله أنه فعل خالد بن الوليد وليس أبا بكر. قال لي: "في الواقع كان هذا فعل خالد وأنكره عمر أمام الصديق. قال عبد الرزاق: عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: حرّق خالد بن الوليد ناسا من أهل الردة، فقال عمر لأبي بكر: "أتدع هذا الذي يعذب بعذاب الله "فقال أبو بكر: "لا أشيم سيفا سله الله على المشركين ". ولو كان خالد فعل هذا بأمر الصديق لوجه عمر نقده إلى الصديق مباشرة. وعلل الصديق عدم عزله بأنه سيف سله الله ولم يقل لعمر أنه لم يفعل شيئاً خطأً. فما مبرر موقف الصديق هذا؟ فيقال: خالد بن الوليد قيادة عسكرية فذة وما فعله فعله عن تأويل وغضب للدين ولم يكن في الفقه كعمر، والناس في حاجة ماسة له في حروب الردة، والصديق شديد الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم. وقد كانت وقعت زلة من خالد هي أعظم من هذه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فقتل الذين قالوا (صبأنا صبأنا) فقال النبي (اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد) ولم يعزله. ويحتمل أن يكون الإحراق الذي فعله هو الرمي بالمنجنيق وهذا يجيزه عامة الفقهاء ".انتهى كلامه. يقول ابن قدامة في "المغني ص 230 ": "فَأَمَّا رَمْيُهُمْ قَبْلَ أَخْذِهِمْ بِالنَّارِ، فَإِنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُمْ بِدُونِهَا، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ بِهَا؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَعْنَى الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمْ بِغَيْرِهَا، فَجَائِزٌ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ. وَرَوَى سَعِيدٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ صَفْوَانِ بْنِ عَمْرٍو وَحَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّ جُنَادَةَ بْنَ أُمَيَّةَ الْأَزْدِيَّ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ الْفَزَارِيَّ، وَغَيْرَهُمَا مِنْ وُلَاةِ الْبَحْرَيْنِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، كَانُوا يَرْمُونَ الْعَدُوَّ مِنْ الرُّومِ وَغَيْرِهِمْ بِالنَّارِ، وَيُحَرِّقُونَهُمْ، هَؤُلَاءِ لِهَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ لِهَؤُلَاءِ. قَالَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ: لَمْ يَزُلْ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ ".اهـ وقال أيضا: "وَيَجُوزُ نَصْبُ الْمَنْجَنِيقِ عَلَيْهِمْ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ جَوَازُهُ مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ. وَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة. وَلِأَنَّ الْقِتَالَ بِهِ مُعْتَادٌ، فَأَشْبَهَ الرَّمْيَ بِالسِّهَامِ" .اهـ وأما قصة تحريق أبي بكر رضي الله عنه للفجاءة السلمي فهي باطلة، لا أصل لها.

تفسير قتادة · الصفحة ٣٨٠

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.