تخطَّ إلى المحتوى

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴿١﴾ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿٢﴾﴾

قوله تعالى (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ[١] ﴿1﴾ مِن شَرِّ مَا خَلَق[٢])

6504 - قال عبد الرزاق ٣٧٤٠:

عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] قَالَ: «هُوَ فَلَقُ الصُّبْحِ».

6505 - وقال الطبري 24/701:

حدثنا بشر ثنا يزيد قال ثنا سعيد، عن قتادة (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) قال: (الفَلَق): فَلقُ النهار.

[١] وعن مجاهد أيضا قَالَ: "الْفَلَقُ: الصُّبْحُ " .[تفسير آدم].اهـ قاله أيضا سعيد بن جبير والحسن .اهـ وقيل لعبد الرحمن بن زيد في قول الله: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ): فلق الصبح؟ قال: نعم، وقرأ: (فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) .[تفسير الطبري].اهـ وقال سفيان الثوري: سمعت السديّ يقول: (الفَلَق): جُب في جهنم .[تفسير الطبري].اهـ الجُبُّ أي البئر الواسعة.

[٢] قال الطبري في تفسيره: "أمر نبيه أن يستعيذ من شرّ كل شيء، إذ كان كلّ ما سواه، فهو ما خَلَق ". اهـ وقد سمعت مرة شخص (داعية) يتكلم مع أجانب وقال: أن الله لم يخلق الشر، وذكر حديث "والشر ليس إليك ". وهذا كلام القدرية المتكلمين في خلق أفعال العباد والإرادة. أما القدرية الغلاة فهم نفاة العلم الذي قالوا الأمر أنف، وتبرأ منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنه. قال الله تعالى في سورة الفلق ﴿قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق﴾. في الآية أن الشر من خلق الله، ولذلك لما قيل للتابعي الجليل عبد الله بن عون: "إِن قوما يَزْعمُونَ أَن الله لم يخلق الشَّرّ. فَقَالَ أستعيذ بالسميع الْعَلِيم قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ. [علل أحمد رواية عبد الله ٤٨٦٠].اهـ أما قول النبي صلى الله عليه وسلم: والشر ليس إليك. أي الشر المحض، وإن كان في الشر خير كثير. وليس المراد أن الله لم يخلق الشر. فقد روى مسلم في صحيحه ٤٨٨١ من حديث خولة بنت حكيم السلمية رضي الله عنها قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ .اهـ وقال عبد الرزاق في مصنفه ١٦٧٢: عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: "إِذَا خَرَجْتَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ".اهـ وقال الفريابي في القدر ٣٣٧: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن سلمة، أخبرنا كلثوم بن جبير، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ، أَوْ فِي الْكِتَابِ: أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلَّا أَنَا، خَالِقُ الْخَلْقِ، خَلَقْتُ الْخَيْرَ، وَخَلَقْتُ مِنْ يَكُونُ الْخَيْرُ عَلَى يَدَيْهِ، فَطُوبَى لِمَنْ خَلَقْتَهُ لِيَكُونُ الْخَيْرُ عَلَى يَدَيْهِ، أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا خَلَقْتُ الشَّرَّ، وَخَلَقْتُ مَنْ يَكُونُ الشَّرُّ عَلَى يَدَيْهِ، فَوَيْلٌ لِمَنْ خَلَقْتَهُ لِيَكُونَ الشَّرُّ عَلَى يَدَيْهِ .اهـ وخرج البيهقي في القضاء والقدر ٤٨٤ عن الحكم بن عمر الرُّعَيْنِيُّ قال: "أَرْسَلَنِي خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى قَتَادَةَ وَهُوَ بِالْحِيرَةِ أَسْأَلُهُ عَنْ مَسَائِلَ، فَكَانَ فِيمَا سَأَلْتُ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) [الحج 17]. هُمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ؟. قَالَ: "لا، وَلَكِنَّهُمُ الزَّنَادِقَةُ الْمَنَانِيَّةُ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ شَرِيكًا فِي خَلْقِهِ . قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الْخَيْرَ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَخْلُقُ الشَّرَّ، وَلَيْسَ لِلَّهِ عَلَى الشَّيْطَانِ قُدْرَةٌ ".اهـ وسموا المنانية نسبة إلى "ماني" [بلاد فارس القرن 3م]، وكان يقول هما اثنان: إله ظلمة وإله نور. وهذا ضلال مبين، فالله خلق الخير والشر وأمر بالخير ونهى عن الشر. قال سبحانه: (ألا له الخلق والأمر). وقال سبحانه: (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ). فالحسنة والخير من الله من كل وجه (ما أصابك من حسنة فمن الله) والسيئة والشر من النفس لأنها العاملة فنسب إليها (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) وهي من الله من جهة القدر [العلم والكتابة والمشيئة والخلق] لذلك قال الله (قل كل من عند الله) أي الخير والشر. سئل مالك عن القدري فقال: من قال ما خلق المعاصي .[ترتيب المدارك].اهـ ولما سئل عن تزويج القدري قال: (ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم) .[الحلية لأبي نعيم].اهـ ذلك أنهم جعلوا مع الله خالقا يخلق الشر بزعمهم كما نص على ذلك قتادة رحمه الله. وقال الخلال في السنة ٩٠٠: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ [يعني أحمد]: إِنَّ عِنْدَنَا قَوْمًا يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَيْرَ، وَلَمْ يَخْلُقِ الشَّرَّ، وَيَقُولُونَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ. فَقَالَ: «هَذَا كُفْرٌ، هَؤُلَاءِ قَدَرِيَّةٌ جَهْمِيَّةٌ، الْخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرٌ عَلَى الْعِبَادِ»، قِيلَ لَهُ: اللَّهُ خَلَقَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، اللَّهُ قَدَّرَهُ». ٩٠١: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يُلْجِئُنِي الْقَدَرِيُّ إِلَى أَنْ أَقُولَ: الزِّنَا بِقَدَرٍ وَالسَّرِقَةُ بِقَدَرٍ؟ فَقَالَ: «الْخَيْرُ وَالشَّرُّ مِنَ اللَّهِ» .اهـ وليعلم أن الكلام في الله تعالى وصفاته إما توحيد وإما شرك وقد وصف اليهود الله تعالى بغير علم فسماهم مشركين. يقول أبو الشيخ في العظمة ٨١: أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: "تَكَلَّمَتِ الْيَهُودُ فِي صِفَةِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَقَالُوا مَا لَا يَعْلَمُونَ وَلَمْ يَدْرُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: 91]، ثُمَّ بَيَّنَ عَظَمَتَهُ لِلنَّاسِ، فَقَالَ: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سبُحْانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فَجَعَلَ صِفَتَهُمُ الَّتِي وَصَفُوا بِهَا اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى شِرْكًا ".اهـ وهذا نص خطير تأمله، والناس يتساهلون في الباب والكلام فيه إما توحيد وإما شرك.

تفسير قتادة · الصفحة ٢٢٩٣

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.