﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ﴿٥٧﴾﴾
قوله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ[٦٥] تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ[٦٦] خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ[٦٧])
918 - قال ابن أبي حاتم 5509:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنِ الصَّبَّاحِ، ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ (لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ) قِيلَ: مُّطَهَّرَةٌ مِنَ الأَذَى وَالْمَآثِمِ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴿٥٩﴾﴾
قوله تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)
919 - قال الطبري 9884:
حَدَّثَنَا بِشْر بَنْ مُعَاذ قَالَ، حَدَّثَنَا يَزِيد قَالَ، حَدَّثَنَا سَعِيد، عَنْ قَتَادَة قَوْلهُ: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)، يَقُولُ: رُدُّوهُ إِلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ. (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ).[٦٨]
قوله تعالى (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)
920 - قال الطبري 9884:
حَدَّثَنَا بِشْر بَنْ مُعَاذ قَالَ، حَدَّثَنَا يَزِيد قَالَ، حَدَّثَنَا سَعِيد، عَنْ قَتَادَة: (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)، يَقُولُ: ذَلِكَ أَحْسَنُ ثَوَابًا، وَخَيْرٌ عَاقِبَةً.
[٦٥] قال ابن أبي حاتم في "تفسيره 5501 ": حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَوْدِيُّ، ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: الْجَنَّةُ سَجْسَجٌ لَا حَرَّ فِيهَا وَلا بَرْدٌ. اهـ كقوله تعالى (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا) [الإنسان].
[٦٦] قال ابن أبي حاتم في "تفسيره 5502 ": حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، ثنا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَفَجَّرُ مِنْ جَبَلِ مِسْكٍ. اهـ
[٦٧] قال مُجَاهِدٍ بن جبر: مَطْهَرَةٌ مِنَ الْحَيْضِ وَالْبَوْلِ وَالنِّخَامِ وَالْبُزَاقِ وَالْمَنِيِّ وَالْوَلَدِ .[تفسير ابن أبي حاتم 5508].اهـ
[٦٨] قال ميمون بن مهران: "الرد إلى الله، الردّ إلى كتابه. والرد إلى رسوله إن كان حيًا، فإن قبضه الله إليه فالردّ إلى السنة ". [تفسير الطبري 9883].اهـ واعلم أن أمر السنة من العظمة بمكان. وكان بعض أهل العلم يقول "السنة هي الإسلام". أمر الله خلقه بعبادته، فقال عز وجل (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)، وَلَم يقبل عبادة أحد منهم إلا إذا كانت على مراده وما أمر به (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ). ولذلك أرسل الرسول حتى يبين لخلقه أمر الله ويفسّر لهم ما أنزله في كتابه. فقال جل وعلا (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرِ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم). وفي كتاب الله آيات محكمات وآيات متشابهات، قال الله تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٍ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ). ولا سبيل لمعرفة المحكم من المتشابه إلا عن طريق الرسول، ولذلك زاغ المعرضون عن سبيل الرسول وطريقته، واهتدى المتبعون. واتباع الرسول تحقيق لشهادة التوحيد. قال الله تعالى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيم قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُول فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الكَافِرِينَ)، فسمى الله المعرض عن اتباع الرسول وطاعته كافرا. وانظر كيف قرن الله بين طاعته وطاعة رسوله، ذلك أن طاعة الرسول طاعة لله كما أخبر بذلك عز وجل فقال (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ). وقال الله تعالى (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، والفتنة الكفر والشرك كما ذكر المفسرون. وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يقول: "مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ ". [شرح معاني الآثار ١\٤٢٢].اهـ وبحسب المخالفة يكون إما كفرا أكبر أو كفرا أصغر. وقد فهم هذا المعنى سلف هذه الأمة فكانوا يجمعون بين كتاب الله وسنة نبيه، ولا يرون بينهما تعارضا، بل كان بعضهم لا يسمع حديثا إلا ذكر تصديقه من كتاب الله كما يؤثر عن ابن مسعود رضي الله عنه ومن التابعين سعيد بن جبير وكان يفعله أيضا يحيى بن سعيد القطان والبخاري رحمهم الله. وهذا يدلك على أن السنة وحي من عند الله، وفي هذا يقول الله سبحانه (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، وقوله (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى). يقول الإمام ابن المبارك: "سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: "مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ آيَةٌ إِلَّا وَلَهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَع ". يَقُولُ: لَهَا تَفْسِيرٌ ظَاهِرٌ، وَتَفْسِيرٌ خَفِيٌّ، وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ قَالَ: يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْقَوْمُ فَيَسْتَعْمِلُونَهُ عَلَى تِلْكَ الْمَعَانِي، ثُمَّ يَذْهَبُ ذَلِكَ الْقَرْنُ، فَيَجِيءُ قَرْنٌ آخَرُ يَطَّلِعُونَ مِنْهَا عَلَى مَعْنًى آخَرَ، فَيَذْهَبُ عَلَيْهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مَنْ قَبْلَهُمْ، فَلَا يَزَالُ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. يَقُولُ: يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يُفَسِّرُهُ السُّنَّةُ ". [الزهد ٢\٢٣].اهـ فمن ترك السنة، كان من أهل الزيغ والضلال كما أخبر الله في كتابه. وهذه بعض آثار سلفنا الصالح تبين لك ما ذكرت آنفا. يقول ابن المبارك في الزهد ٢\٢٣: أنا مَعْمَرٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: فَجَعَلَ يُحَدِّثُنَا قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: حَدِّثْنَا عَنْ كِتَابِ اللَّهِ قَالَ: فَغَضِبَ عِمْرَانُ، فَقَالَ: «إِنَّكَ أَحْمَقُ، ذَكَرَ اللَّهُ الزَّكَاةَ فِي كِتَابِهِ، فَأَيْنَ مِنَ الْمِئَتَيْنِ خَمْسَةٌ؟ ذَكَرَ اللَّهُ الصَّلَاةَ فِي كِتَابِهِ، فَأَيْنَ الظُّهْرُ أَرْبَعًا؟ حَتَّى ذَكَرَ الصَّلَوَاتِ، ذَكَرَ اللَّهُ الطَّوَافَ فِي كِتَابِهِ، فَأَيْنَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ سَبْعًا؟ وَبِالصِّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا؟» إِنَّا نُحْكِمُ مَا هُنَاكَ وَتُفَسِّرُهُ السُّنَّةُ ".اهـ وقال الهروي في ذم الكلام ٣١٦: أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْقُوبَ أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زِيَادٍ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبِيرٍ: أَنَّهُ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ كَذَا وَكَذَا، فَغَضِبَ سَعِيدٌ فَقَالَ: أَلَا أَرَاكَ تُعَرِّضُ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْكَ .اهـ وهذه حجة دامغة. وقال ابن سعد في الطبقات 8917: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ الْقَرْقَسَائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ مَخْلَدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أبي قِلابَةَ، قَالَ: "إِذَا حَدَّثْتَ الرَّجُلَ بِالسُّنَّةِ، فَقَالَ: دَعْنَا مِنْ هَذَا وَهَاتِ كِتَابَ اللَّهِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ ضَالٌّ " .اهـ وقال أبو نعيم في الحلية 3/293: حَدَّثنَا محمد بن أحمد حَدَّثَنَا أحمد بن موسى، ثَنَا إسماعيل بن سعيد، ثَنَا وكيع، عَنْ سفيان، عَنْ ليث، عَنْ مجاهد فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)، قَالَ: إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مَا دَامَ حَيًّا، فَإِذَا قُبِضَ فَإِلَى سُنَّتِهِ .اهـ عليه الصلاة والسلام. بل كانوا يعدون أيضا من السنة ما جاء عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول معمر بن راشد في "جامعه 1097: عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، قَالَ: اجْتَمَعْتُ أَنَا وَابْنُ شِهَابٍ وَنَحْنُ نَطْلُبُ الْعِلْمَ، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى أَنْ نَكْتُبَ السُّنَنَ، فَكَتَبْنَا كُلَّ شَيْءٍ سَمِعْنَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ كَتَبْنَا أَيْضًا مَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِهِ فَقُلْتُ: "لا، لَيْسَ بِسُنَّةٍ "، وَقَالَ هُوَ: بَلَى هُوَ سُنَّةٌ، "فَكَتَبَ وَلَمْ أَكْتُبْ، فَأنْجَحَ وَضَيَّعْتُ " .اهـ وابن شهاب هو الزهري، الحافظ الكبير انظر كيف يقول. فليحذر المسلم من دعاة الباطل وليعلم أن الحياة في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. يقول مالك في الموطأ: عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَصَلَاةَ الْحَضَرِ فِي الْقُرْآنِ وَلَا نَجِدُ صَلَاةَ السَّفَرِ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم وَلَا نَعْلَمُ شَيْئًا فَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ .اهـ