فما أكثر من يَعزمِ على خمسةِ أسواط فيضرب مائة لأنَّه ابتدأ الضربَ وهو ساكنُ الطباع فأراه السكونُ أنَّ الصواب في الإقلال فلما ضرب تحرَّك دمُه فأشاع فيه الحرارةَ فزادَ في غضبه فأراه الغضبُ أنّ الرأي في الإكثار وكذلك صاحب القلم فما أكثرَ من يبتدئ الكتابَ وهو يُريد مقدارَ سطرين فيكتب ( مقايسة بين الولد والكتاب ) واعلم أَنَّ العاقلَ إنْ لم يكن بالمتتبِّع فكثيراً ما يعتريه من ولده أَنْ يحسُنَ في عينه منه المقبَّحُ في عين غيره فليعلمْ أنَّ لفظه أقربُ نسباً منه من ابنه وحركَتَه أمسُّ به رِحْماً من ولده لأَنَّ حركتَه شيءٌ أحدثَه من نفسه وبذاتِهِ ومن عين جوهرِه فَصَلت ومن نفسِه كانت وإنَّما الولدُ كالمخْطَةِ يتمخَّطها والنُّخَامةِ يقذِفها ولا سواءٌ إخراجُك مِنْ جزئك شيئاً لم يكن منك وإظهارُك حركةً لم تكن حتَّى كانت منك ولذلك تجِدُ فتنةَ الرجُل بشِعرِه وفتنتَه بكلامِه وكتبِه فوقَ فتنتِه بجميعِ نعمته . ( ما ينبغي أن تكون عليه لغة الكتب ) وليس الكتابُ إلى شيءٍ أحوجَ منه إلى إفهام معانيه حَتَّى لا يحتاجُ
الحيوان · الصفحة ٨٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.