ولولا أنَّه يطلبُ الهواءَ من ذاته ويكرهُ مكانَه من ذاته ثمَّ خرج إلى عالَمٍ آخَرَ خلافِ عالمه الذي رُبِّي فيه لَمَاتَ كما يموت السَّمَكُ إذا فارقه الماء ولكنَّ الماءَ لمّا كانَ قابلاً لطباع السمك غاذياً لها والسَّمكُ مريداً له كان في مفارقته له عطبُه وكان في مفارقة الولد لجَوْف البطن واغتذائه فضلاتِ الدَّم مَا لاَ يَنْقُصُ شيئاً من طباعِه وطباع المكان الذي كان له مَرَّةً مَسْكناً فلذلك قال ( والمرءُ لم يغضب لمطْلَبِ أنفه ** أو عِرسه لكريهةٍ لَمْ يغضَبِ ) يقول : متى لم يَحْمِ فرجَ أمِّه وامرأته فليس مِمّن يغضب من شيءٍ يؤُول إليه . ( قول المتكلِّمين في صمم الأخرس ) وزعم المتكلِّمون أنَّ الأخرسَ أصمُّ وأنّه لم يُوتَ من العجْز عن المنطق لشيءٍ في لسانه ولكنّه إنّما أُتي في ذلك لأنّه حين لم يسمع صوتاً قطُّ مؤلَّفاً أو غير مؤلَّف لم يعرف كيفيَّته فيقصدَ إليه وأنّ جميعَ الصُّمِّ ليس فيهم مُصْمَت وإنما يتفَاوَتُون في الشِّدَّةِ واللِّين فبعضهم يسمع الهدّة والصَّاعقة ونَهِيق الحمار إذا كان قريباً منه
الحيوان · الصفحة ١٦٨٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.