وإن شئت جعلت (أن) في موضع نصب ردا على (ما) وبيانا عنها، ويكون في قوله: ﴿تشركوا﴾ [النساء: 36] أيضا من وجهي الإعراب نحو ما كان فيه منه، و (أن) في موضع رفع، ويكون تأويل الكلام حينئذ: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، أتل أن لا تشركوا به شيئا. فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون قوله: ﴿تشركوا﴾ [النساء: 36] نصبا ب (أن لا) ، أم كيف يجوز توجيه قوله: (ألا تشركوا به) على معنى الخبر وقد عطف عليه بقوله: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق﴾ [الأنعام: 151] وما بعد ذلك من جزم النهي؟ قيل: جاز ذلك كما قال تعالى ذكره: ﴿قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم﴾ [الأنعام: 14] فجعل (أن أكون) خبرا و (أن) اسما، ثم عطف عليه (ولا تكونن من المشركين) ، وكما قال الشاعر: [البحر الرجز]
حج وأوصى بسليمى الأعبدا أن لا ترى ولا تكلم أحدا
ولا يزل شرابها مبردا
فجعل قوله: (أن لا ترى) خبرا، ثم عطف بالنهي فقال: (ولا تكلم) ، (ولا يزل)
القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم PageEndV09P658
وإياهم} [الأنعام: 151] يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق﴾ [الأنعام: 151] : ولا تئدوا أولادكم فتقتلوهم من خشية الفقر على أنفسكم بنفقاتهم، فإن الله هو رازقكم وإياهم، ليس عليكم رزقهم، فتخافوا بحياتهم على أنفسكم العجز عن أرزاقهم وأقواتهم. والإملاق: مصدر من قول القائل: أملقت من الزاد، فأنا أملق إملاقا، وذلك إذا فني زاده وذهب ماله وأفلس. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل