طردهم هم الذين يدعون ربهم فيسألون عفوه ومغفرته لصالح أعمالهم وأداء ما ألزمهم من فرائضه ونوافل تطوعهم وذكرهم إياه بألسنتهم بالغداة والعشي، يلتمسون بذلك القربة إلى الله والدنو من رضاه. ﴿ما عليك من حسابهم من شيء﴾ [الأنعام: 52] يقول: ما عليك من حساب ما رزقتهم من الرزق من شيء، وما عليهم من حساب ما رزقتك من الرزق من شيء، فتطردهم حذار محاسبتي إياك بما خولتهم في الدنيا من الرزق. وقوله: ﴿فتطردهم﴾ [الأنعام: 52] : جواب لقوله: ﴿ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء﴾ [الأنعام: 52] ، وقوله: ﴿فتكون من الظالمين﴾ [الأنعام: 52] جواب لقوله: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم﴾ [الأنعام: 52]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ [الأنعام: 53] يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض﴾ [الأنعام: 53] : وكذلك اختبرنا وابتلينا
كالذي حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، وحدثنا الحسين بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض﴾ [الأنعام: 53] يقول: «ابتلينا بعضهم ببعض» وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على معنى الفتنة، وأنها الاختبار والابتلاء، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. PageEndV09P271 وإنما فتنة الله تعالى بعض خلقه ببعض، مخالفته بينهم فيما قسم لهم من الأرزاق والأخلاق، فجعل بعضا غنيا وبعضا فقيرا، وبعضا قويا وبعضا ضعيفا، فأحوج بعضهم إلى بعض، اختبارا منه لهم بذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل