تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شيء جرى عليه الناس طبق سنن الكون ونواميس الوجود وكان ضرره غالبا على

نفعه، ومحققا كما يدعون في هذه المسألة؟ أليس التضييق الذي يطلبونه مصادما

للشرائع الإلهية، والقوانين الوضعية، بل والسنن الكونية؟ فأي دليل قطعي عندهم

عليه يعتمدون؟ .

أما مضار تأخير زواج الفتاة بعد بلوغها في السنة الثانية عشرة أو الثالثة

عشرة كما هو الغالب عندنا في مصر، فمنها زيادة الشهوة عندها التي قد تفسد

أخلاقها أو تجرها إلى الفسق أو الألطاف (استمناء المرأة بيدها) أو السحاق وكلها

أشياء يشتد الميل إليها في أول البلوغ؛ ولذلك يكثر وجودها في البلاد التي تتأخر

فيها البنات عن الزواج، ولا حاجة بي هنا للتكلم على ما ينشأ عنها من المضار

والمفاسد فإنها معروفة شهيرة، والإمساك عن الجماع مع فرط الشهوة مضعف

للجسم والأعصاب مؤد إلى سوء الخلق، وضعف العقل، مورث للهستيريا، أو

الجنون، والشقيقة، وعسر الطمث، وغير ذلك.

وهناك بعض أسباب كثيرا ما تحمل الناس على التعجيل بالزواج كالفقر أو فقد

من يقوم بشئون البنت وتربيتها وكفالتها وحفظها من الوقوع في مهاوي الدنس

والعار، ولذلك نرى أن الشريعة الإسلامية وغيرها كالإنكليزية أباحته في جميع

الأعمار حتى للأطفال، إلا إذا كانت البنت غير مطيقة للجماع، فيحرم في شريعتنا

تسليمها للزوج حتى تطيق، وإذا عقد أولياء الأمر على طفل وطفلة أباح لهما

الإسلام فسخ العقد إذا بلغا، ما لم يكن الذي تولى الأمر الأب أو الجد فإنهما أدرى

الأولياء وأعلمهم بمصلحة البنت، وأشدهم محافظة عليها، وأكثرهم رغبة في نفعها

الصحيح، وإبعاد كل ضرر عنها، فأي عيب في هذه الشريعة حتى أردنا الخروج

عنها، والاشمئزاز منها، مع أنها تشبه شريعة الإنكليز في ذلك، وهم من أرقى أمم

الأرض الآن! !

وإذا علمت أن سن البلوغ تختلف باختلاف البلاد، وأحوال أهلها تبين لك

السبب في عدم تحديد الشريعة الإسلامية لهذه السن لشرطت بل اشترطت الإطاقة،

ولم تمنع العقد على الأطفال، لما في ذلك من المنفعة للناس، كأن يريد شخص أن

يضمن لنفسه الانتفاع بمال بنت، أو جاهها، أو الانتساب إلى بيتها، أو نحو ذلك،

أو يكون له غرض آخر كالرغبة في النفقة عليها، وإحسان تربيتها لجمالها، أو

لفقدها الأهل والمعين من أقاربها.

وبسبب سرعة البلوغ في البلاد الحارة كالهند، وبلاد العرب فشت في الشرق

عادة تزويج البنات الصغار كما هو معلوم حتى أن عائشة - رضي الله عنها -

كانت خطبت قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمرها سبع سنوات لجبير

بن مطعم بن عدي، وهو يدل على أنها كانت قد قاربت البلوغ في تلك السن؛

ولذلك عقد عليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقتئذ، ودخل عليها في التاسعة

من عمرها، فالظاهر أنها كانت قد بلغت حينئذ كما هو الغالب في بنات العرب،

وأهل الهند، وغيرهم من أهل الشرق كما سبق بيانه.

أما المضار التي يذكرها المضادون لذلك الزواج، فهي في الحقيقة ناشئة عن

أحد أمرين أو عنهما معا (الأول منهما) الدخول بالبنت قبل الإطاقة، أو قبل

البلوغ (الثاني) طريقة المصريين الوحشية في افتضاض البكارة، حتى أني

شاهدت مرة بنتا كادت تموت بنزيف شديد من تمزق في مهبلها نشأ من إصبع

زوجها الوحش القاسي؛ ولكن العيب في ذلك ليس على الشريعة نفسها، بل العيب

إنما نشأ من الجهل والقسوة وعدم التزام حدود هذه الشريعة الغراء التي فيها الكفاية

لتقويم المعوج.

وهناك فوائد أخرى غير ما تقدم لتزويج الفتيات الصغيرات البالغات (منها)

أنهن يحرضن الشهوة في ضعاف الرجال، حتى أنهن يكن سببا في تقوية أجسامهم

وعودة الحياة إليهم، فتزيد قوة الباه عندهم، ويتحسن نسلهم، وقد عرف ذلك

الأقدمون، حتى أنه ذكر في الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى أن داود - عليه

السلام - شاخ، وكانوا يدثرونه بالثياب فلا يدفأ لشدة ضعفه فأشار عليه عبيده

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ١٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ١٣٦