أثارة من تاريخ العرب في الأندلس
تنبئ عن هدي الخليفة عبد الرحمن الناصر لدين الله،وجمعه بين الدين
والدنيا، ومكانة علماء الدين في عهده، وقبوله منهم الإغلاظ في وعظه، وعن
سيرة قضاة العدل وعلماء الآخرة الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يخافون
في الحق صولة حاكم، على ورع يزينه ظرف ولطف ودعابة لا مهانة فيها ولا
سخف، يتمثل ذلك كله في ترجمة الوزير الفتح بن خاقان للقاضي البلوطي في كتابه مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس. قال عفا الله عما
تكلف من إبداع، وما صنعه من أسجاع:
الفقيه القاضي أبو الحسن منذر بن سعيد البلوطي
رحمه الله تعالى
أية حركة في سكون، وبركة لم تكن معدة ولا تكون! ، وأية سفاهة في تحلم،
وجهامة ورع في طي تبسم، إذا جد تجرد، وإذا هزل نزل، وفي كلتا الحالتين
لم ينزل للورع عن مرقب، ولا اكتسب إثما، ولا احتقب، ولي قضاء الجماعة
بقرطبة أيام عبد الرحمن، وناهيك من عدل أظهر، ومن فضل اشتهر، ومن جور
قبض، ومن حق رفع، ومن باطل خفض، وكان مهيبا طيبا صارما غير جبان،
ولا عاجز، ولا مراقب لأحد من خلق الله في استخراج حق ورفع ظلم، واستمر
في القضاء إلى أن مات الناصر لدين الله، ثم ولي ابنه الحكم فأقره، وفي خلافته
توفي، بعد أن استعفى مرارا فما أعفي، فلم يحفظ عليه مدة ولايته قضية جور،
ولا عدت عليه في حكومته زلة، وكان غزير العلم كثير الأدب، متكلما بالحق،
متبينا بالصدق، له كتب مؤلفة في السنة والقرآن والورع، والرد على أهل الأهواء
والبدع، وكان خطيبا بليغا، وشاعرا محسنا، ولد سنة ثلاث وعشرين (ومائتين)
عند ولاية المنذر بن محمد، وتوفي يوم الخميس لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة
خمس وثلاثين وثلاثمائة.
(ومن شعره في الزهد)
كم تصابى وقد علاك المشيب ... وتعامى عمدا وأنت اللبيب
كيف تلهو وقد أتاك نذير ... أن يوم الحمام منك قريب
يا سفيها قد حان منه رحيل ... بعد ذاك الرحيل يوم عصيب
إن للموت سكرة فارتقبها ... لا يداويك إن أتتك طبيب
كم تراني [1] حتى تصير رهينا ... ثم تأتيك دعوة فتجيب
بأمور المعاد أنت عليم ... فاعملن جاهدا لها يا رتيب
وتذكر يوما تحاسب فيه ... إن من يذكر فسوف ينيب
ليس من ساعة من الدهر إلا ... للمنايا عليك فيها رقيب
الخطابة في الاحتفالات الرسمية:
وذكر أن أول سببه في التعلق في الناصر لدين الله، ومعرفته به وزلفاه، أن
الناصر لما احتفل لدخول رسول ملك الروم، وصاحب القسطنطينية بقصر قرطبة
الاحتفال الذي اشتهر ذكره، وانبهر أمره، أحب أن تقوم الخطباء والشعراء بين
يديه تذكر جلالة مقعده، ووصف ما تهيأ له من توطد الخلافة، ورمي الملوك
بآمالها، وتقدم إلى الأمير الحكم ابنه بإعداد من يقوم لذلك من الخطباء، ويقدمه أمام
نشيد الشعراء [2] ، فتقدم الحكم إلى أبي علي البغدادي [3] ضيف الخلافة، وأمير
الكلام، وبحر اللغة أن يقام، فقام رحمه الله، وأثنى على الله، وصلى على النبي
- صلى الله عليه وسلم - ثم انقطع، وبهت فما وصل إلا قطع، ووقف ساكتا
متفكرا، وتشوف لا ناسيا ولا متذكرا.
ارتجال العلماء الخطابة حتى في السياسة:
فلما رأى ذلك منذر بن سعيد قام بذاته، بدرجة من مرقاته، فوصل افتتاح
أبي علي البغدادي بكلام عجيب، ونادى من الإحسان في ذلك المقام كل مجيب،
وقال: أما بعد فإن لكل حادثة مقاما، ولكل مقام مقال، وليس بعد الحق إلا الضلال،
وإني قد قمت في مقام كريم، بين يدي ملك عظيم، فأصغوا لي بأسماعكم،
وأمنوا علي بأفئدتكم، معاشر الملأ! إن من الحق أن يقال للمحق صدقت، وللمبطل
كذبت، وإن الجليل تعالى في أسمائه، وتصدق بصفاته [4] أمر كليمه موسى صلى
الله على نبينا، وعليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين أن يذكر بنعم الله - عز
وجل - عندهم، وأنا أذكركم نعم الله تعالى عليكم، وتلافيه لكم، بخلافة أمير