بإحضار فتاة جميلة لتحضنه ليدفأ، ففعل ذلك وعاش بضعة شهور مع أنه كان في
غاية الضعف والبرودة والاضمحلال (راجع الإصحاح الأول والثاني من سفر
الملوك الأول) ، وكذلك فعل الإمبراطور (طيباريوس) ليستعيد جسمه الضعيف
حرارته الأولية، وقد أشار (بورهاف) الشهير على عمدة بلدة (ساردام) الذي
كان مبتليا بالنقرس بأن يبيت مع بنات فتيات، ولما عمل بمشورته تحسنت حاله،
وزال مرضه (راجع صفحة 462 من كتاب تاريخ الإنسان الطبيعي) ، وقد جربوا
ذلك العلاج أيضا في الروماتزم المزمن للشيوخ، فأفاد كثيرا بعد أن يئسوا من
الطب والدواء، وقال الكتاب المذكور ما محصله:
(إن مساكنة البنات الفتيات ذوات الدم الوافر، والصحة الجيدة يتطاير منها
نشأة منعشة تخترق جسم الشيخ الجاف، وتسخن دمه الضعيف الفاتر، وتحرك فيه
الأعضاء الذابلة) .
وذكر بعض العلماء أن من الشيوخ من اسود شعره، ونبتت أسنانه مرة ثالثة
بعد سقوطها بسبب معاشرة الفتيات الصغيرات، وعادت إليه قوة الجماع، ولا شك
أن صحة البنات في وقت البلوغ تكون أحسن منها في جميع الأوقات الأخرى؛
فيؤثرون في الرجل تأثيرا قويا مصلحا؛ فينتفع هو؛ وينتفعن هن بماله، أو جاهه
خصوصا إذا كان من أصحاب الملايين، أو الملوك، وإذا تزوج رجل مسن بعجوز
مثله ساء نسلهما جدا بخلاف ما إذا كانت هي صبية.
هذا وليعلم القارئ أني لا أذكر هذه الأمثلة هنا لكوني ممن يريد أن ينفض
الشيوخ عيش الفتيات بالتزوج بهن كلا! بل الغرض من ذكرها تتميم البحث،
وبيان فوائد زواج البنات البالغات الصغيرات، واستقصاء تلك الفوائد كلها.
والخلاصة أني أرى أنه ليس من الصواب تحديد سن الزواج بالسنة السادسة
عشرة من العمر، بل الأصوب عندي أن توضع طريقة تحمل الناس على شدة
مراعاة حدود الشريعة الإسلامية، وأن يتركوا عاداتنا المصرية القاسية المعروفة في
الزواج، وإن كان لا مندوحة عن التحديد، فليكن ذلك بعد بلوغ البنت بسنة، أو
ليجروا في ذلك حسب القانون المصري الحالي في مسألة عقوبة الفسق، بأن يجعلوا
سن الزواج (14) سنة فما فوق، وهذا هو رأيي بإخلاص، والله ولي التوفيق،
الهادي لأقوم طريق.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) كلمة يونانية معناها الشاة؛ لأنه يقال إنه اكتشف فيها أولا؛ أو لأن ملمسه ناعم كصوف الشاة.
(2) يجوز أن يراد بالعلق في قوله تعالى: [خلق الإنسان من علق] (العلق: 2) الحيوانات المنوية التي تلقح البويضة.
(3) اكتشف هذا الميكروب سنة 1905، وهو أدق وألطف من كثير من الميكروبات الحلزونية، يسمى (Spirochaeta Pallida) والكلمة الأولى يونانية بمعنى الحلزون، والثانية لاتينية معناها الأكمد (الباهت) لتعسر رؤيته بالمجهر.
(4) اخترعت سنة 1909 ميلادية، وسميت بذلك لأن مخترعها وفق إليها بعد عمل 606 من التجاريب.
(5) معناها الحرفي: (الدودة القارضة) .
(6) وبعضهم يقول (باشلس) .
(7) المنار كان ينبغي لصديقنا الدكتور أن يقول هنا: وإذا كان الخالق العليم الحكيم قد أعد الفتاة في سن كذا للحمل إلخ.</span></span>
الكاتب: ابن القيم الجوزية
-----------------
<span class="footnote">
مقام المشاهدة وعين الجمع [*]
الدرجة العليا في المشاهدة
والفرق فيها بين التوحيد وتخيلات وحدة الوجود
قال [1] : (الدرجة الثالثة مشاهدة جمع تجذب إلى عين الجمع، مالكة لصحة
الورود، راكبة بحر الوجود) صاحب هذه الدرجة أثبت عند الشيخ في مقام
المشاهدة، وأمكن في مقام الجمع الذي هو حضرة الوجود، وأملك لحمل ما يرد
عليه في مقامه من أنواع الكشوفات والمعارف؛ ولذلك كانت مشاهدته مالكة لصحة
الورود، أي تشهد لنفسها بصحة ورودها إلى حضرة الجمع، وتشهد كلها لها
بالصدق، ويشهد المشهود أيضا لها بذلك، فلا يبقى عندها احتمال شك ولا ريب.