تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نظرة

في كتب العهد الجديد

وفي عقائد النصرانية

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد﴾ (الإخلاص: 1-4)

وبعد، فقد كتبت هذه المقالة، وهي بحث تاريخي عقلي في العهد الجديد

وفي عقائد النصرانية، تتميما للبحث السابق في مسألة الصلب والفداء، راجيا

من الله أن يوقظ بها الغافلين، ويهدي بها الضالين، وما توفيقي إلا بالله عليه

توكلت وهو رب العرش العظيم، فأقول وبه تعالى وحده أستعين، إنه حسبي

ونعم الوكيل:

اتفقت شهادة علماء النصارى الأقدمين على أن متى لم يكتب إنجيله

اليوناني الحالي، وإنما الذي فعله، كما سيتضح لك، هو أنه جمع بعض أقوال

المسيح عليه السلام باللغة العبرية، وأقدم شهادة وصلت إلى النصارى في هذا

الموضوع هي شهادة بابياس (Papias) أسقف هيرابوليس الذي

استشهد في سنة 164 أو 167 ميلادية، فإنه كتب في منتصف القرن الثاني

كتابا ضخما في خمسة مجلدات، فقد ولم يبق منه سوى جمل قليلة نقلها عنه

أوسابيوس (Eusebius) وإيريناوس (Irenaeus) فمن

هذه الجمل التي نقلها أوسابيوس (مات سنة 340 م) قوله: (إن متى كتب

مجموعة من الجمل (Logia) باللغة العبرية) يعني بعض كلمات

المسيح باللغة الآرامية (وقد ترجمها كل بحسب طاقته) . اه. ومع أن

أوسابيوس المؤرخ وغيره وصفوا بابياس هذا بسخافة العقل وضعف الإدراك؛

فإنه لا يوجد عند النصارى شهادة لكتبهم أقدم وأعظم من شهادته هذه على

ضعفها؛ فهي سندهم الوحيد من عصر المسيح إلى منتصف القرن الثاني.

وفي سنة 180 ميلادية، ذكر إيريناوس الذي مات سنة 202 م أن متى

كتب إنجيلا باللغة العبرية أو الآرامية ولا ندري لماذا فقدت كتابات متى

العبرية ومن ترجمها ومتى ترجمت؟ وإذا لاحظنا أن الأصل الذي كتبه متى

كان عبارة عن بعض عبارات المسيح وكلماته (Logia) كما هو صريح شهادة

بابياس المذكورة - ظهر لنا أن واحدا مجهول الاسم أخذ هذه المجموعة وترجمها

وهذبها ورتبها وأضاف إليها ما شاء من الحوادث وغيرها لربط الجمل بعضها

ببعض حتى صارت هي الإنجيل اليوناني الذي سمي باسم متى فيما بعد، فهل

بمثل هذا الإنجيل يمكننا أن نثق ونحن لا نعلم من ترجمه؟ ومن الذيتوسع فيها؟

وهل الترجمة صحيحة أم محرفة؟ وهل الزيادات التاريخية التي فيه صادقة أم كاذبة؟

وأين هو الأصل الذي ترجمه هذا المترجم؟ واعلم أنه لم يرو أحد من قدمائهم

أن متى كتب إنجيلا يونانيا كما يدعون الآن بلا برهان.

فهذا هو حال إنجيلهم الأول، ومنه يعلم أن أول من نص على أن متى

كتب إنجيلا عبرانيا هو إيريناوس سنة 180 ميلادية أي في أواخر القرن

الثاني، ولا نعلم إن كان الإنجيل اليوناني الحالي مترجما عن هذا الذي ذكره

إيريناوس أم لا؟

أما مرقس فإنه جمع بعض أخبار المسيح وأقواله غير مرتبة كما هي

الآن على ما صرح به بابياس المذكور، وعليه فيد أخرى رتبت هذا الإنجيل

وزادت فيه، ثم زيد فيه شيئا فشيئا حتى صار كما هو الآن، ومن أحدث الزيادات فيه

العبارات المذكورة في آخره (16: 9-20) ولذلك لم توجد في بعض نسخهم

القديمة التي عثروا عليها؛ لأن زيادتها إذ ذاك لم تعم جميع النسخ، ولكنها عمتها

فيما بعد كما هو الحال الآن؛ وهذه العبارات المشار إليها تتضمن ظهور المسيح

لتلاميذه، ودعوة العالم كله للنصرانية، ورفعه إلى السماء ودعوى إعطاء

المؤمنين بالمسيح القدرة على خوارق العادات والمعجزات (عدد 17 و18)

وهي دعوى يردها الحس والعيان وسيأتي البحث فيها.

هذا وقد كتب مرقس ما كتب بعد موت بطرس وبولس كما صرح بذلك

إيريناوس (Irenaeus) فلم يطلع إذا بطرس على ما كتبه مرقس

بالرواية عنه. ومرقس لم يجتمع بالمسيح ولم يره قط. فأي ثقة لنا بمثل هذا

الإنجيل؟ وهو لم يذكر إلا في أواخر القرن الثاني كإنجيل متى. وأما ما ذكره

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٣٤