مديرية الجيزة لا في مديرية أسوان، وللبيئة أيضا تأثير في زمن المحيض، فإنك
ترى أن الفتيات اللاتي يكثرن من الاختلاط بالشبان يسرع مجيء المحيض إليهن،
وكذلك اللاتي يكثرن من قراءة الروايات الغرامية ونحوها ومشاهدة تمثيلها، أما
الوراثة فهي تؤثر أيضا في قرب زمن البلوغ، فإذا بلغت الأم وهي صغيرة جدا
كانت ابنتها مثلها في ذلك.
وفي سن البلوغ يكبر الحوض، ويظهر شعر العانة، وتكبر أعضاء التناسل
والثديان، وتستعد المرأة للقيام بوظيفتها التناسلية التي خلقت لأجلها، وقد اتفقت
كلمة علماء التشريح على أن نمو عظام الحوض الذي من شأنه أن يؤثر في سعة
أقطاره يتم في زمن البلوغ أو بعده بقليل، وذلك لا ينافي أن التحام عظام الحوض
لا يتم إلا في نحو الخامسة والعشرين غالبا، وإذا حملت المرأة لانت مفاصل
حوضها، وتمددت لا فرق في ذلك بين الصغيرة والكبيرة، وإنما إذا تأخرت المرأة
في الزواج يبست عضلات العجان والرحم، وربما نشأ عن ذلك إجهاض أو عسر
في الولادة بسبب عسر تمدد هذه الأجزاء التي تفقد مرونتها الطبيعية كلما كبرت
البنت، ويغلب العقم أيضا فيمن يتأخرون عن الزواج.
وقد وجد بعض الباحثين مثل (بروس ودنلوب) في بلاد الحبشة والبنغال
أمهات لا يزيد عمر إحداهن عن إحدى عشرة سنة، وكذلك وجد في أوربة - وإن
كان ذلك قليلا - أمهات ولدن أولادا أصحاء في السنة الثالثة عشرة من عمرهن،
حتى وجدوا بنتا حاملا في سويسرة في السنة التاسعة، وظهور الحيض في هذه
السنة ليس نادرا في أوربة كما تقول كتبهم.
لذلك كله ولغيره اعتبرت الشريعة الإنكليزية مثلا أن السن القانونية للزواج
(عندهم) هو 14 للذكور و12 للإناث، أما زواج الأطفال القاصرين فتعتبره صحيحا
بشرط أن لا يبدو من الطرفين إذا وصلا إلى سن البلوغ طعن في العقد السابق
(راجع صفحة 56 من كتاب أصول الطب الشرعي لمؤلفيه جاي وفرير
الإنكليزيين) ، فمن أعجب العجائب بعد ذلك أن يقوم بعضنا في هذه الأيام
ويطلب تضييق شريعتنا الإسلامية الغراء بما لم يفعله الإنكليز في بلادهم الباردة،
وهم أرقى منا بكثير في سائر شؤونهم العلمية والمدنية والاجتماعية! !
أما زعم هؤلاء المضيقين أن الفتاة إذا تزوجت قبل تمام نموها وقف هذا النمو
فهو غير صحيح، بل تكذبه المشاهدة العامة، فإن الحمل لا شك يسرع في تمام نمو
الجسم كله؛ ولذلك تجد الفتاة بعد الولادة يكبر جسمها بأسرع من الفتاة التي لم
تتزوج، أما دعوى أن الفتاة إذا حملت وهي صغيرة ضعف جسمها عما إذا حملت
وهي كبيرة فهي غير مسلمة، ولا يمكن إثباتها إثباتا قطعيا، وإنما هي دعوى
يرددها بعض الأطباء تقليدا لبعض بلا بحث ولا تمحيص، فإن الفتاة الكبيرة تكون
ليبس أعضائها أكثر عرضة للعقم وللإجهاض أو عسر الولادة من الفتاة الصغيرة -
كما سبق- ولا يخفى ما ينشأ عن الإجهاض وعسر الولادة من المضاعفات المرضية
كفقر الدم الشديد بسبب النزف الرحمي والتمزقات العجانية وما يتبعها كالنواصير
وسقوط المهبل أو الرحم وغير ذلك، بل ربما قضت المرأة نحبها في الإجهاض أو
الولادة العسرة، نعم إن الطفل المولود من الفتاة الصغيرة يكون في أول الأمر
أصغر جرما من الذي ولد من الفتاة الكبيرة؛ ولكنه لا يكون أقل صحة منه،
وصغر حجمه هذا لا يلبث طويلا بل يزول شيئا فشيئا.
مدة التربية: أما علم الوالدة بتربية الطفل فذلك يتوقف على مقدار ما اكتسبته
في هذا الموضوع ودرجة صلاحيته وسهولة تلقينه لها أثناء دراستها المدرسية أو
البيتية، فإن كانت تلقت شيئا نافعا في هذا الأمر، ولو كان مختصرا أفادها أكثر
من التي قضت سنين عديدة من حياتها الأولى في دراسة الجغرافيا مثلا والهندسة
والجبر.
وإذا كانت الطبيعة لم تبخل على الفتاة الصغيرة بإعطائها الحمل والولد فكيف
نحظر عليها الزواج، ولسنا أعلم باستعدادها، ولا أشفق عليها من الطبيعة [7] ، وأي