39 - 46
ورومية 8: 32) مع أنه اتخذه له ابنا وحل فيه؛ وإذا كان أيضا لا
يكتفي بحلول روحه القدس في الناس ولا بتوبتهم واستقامتهم ولا باستشهاد كثير منهم
في سبيله إلا بعد سفك دم عيسى، ويحب الضحايا البشرية من قديم الزمان ويتقبلها
من مقربيها له (قض 11: 29 - 40) ويأمر أنبياءه بسفك دماء ما لا يحصى من
الحيوانات (1 مل 8: 63) وقتل ما لا يعد من البشر (تت 20: 16) ويسر
برائحة المحرقات (لا 1: 17) إذا كانت كل هذه صفات إلههم فهو مجرد من كل
رحمة وشفقة وحنان وعدو للإنسان والحيوان.
حتى إنه ندم على خلقه الإنسان (تك 6: 6) لشدة غيظه منه، وبغضه له،
وخوفه منه (تك 3: 22 و11: 6) فكيف يمكن للإنسان أن يحبه بعد ذلك؟ مع
أن الله وهو أقدر منا طبعا لم يحب الإنسان؛ ولم يرحم إلا بعض أفراد هذا النوع بعد
أن شبع وروي من الدماء التي تملأ الأنهار، فهل يا قوم هذه العقيدة [11] هي التي
تدعون أنها الطريقة الوحيدة لإظهار محبة الله للإنسان، وهل هذا إله محبة كما
يسميه يوحنا (1 يو 4 ت: 16) وهل كل هذه الأشياء التي صدرت منه ضد
الإنسان تحملنا على حبنا له؛ ولا طريقة تحملنا على حبه غيرها؟ إن هذا لشيء
عجيب.
(البقية تأتي)
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... الدكتور
... ... ... ... ... ... ... ... ... محمد توفيق صدقي
... ... ... ... ... ((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) لما آلت إلى النصارى السلطة الدنيوية ورأوا أن البحث العقلي يؤدي الناس إلى رفض عقائدهم التي أكرهوهم عليها حاولوا إخماد ميل الفطرة البشرية إلى ما تشرئب إليه فحرموا من قديم الزمان استعمال العقل في مسائل الدين واعترفوا - ولا يزالون يعترفون - بأنه لا يمكن للعقل البشري إدراكها وأنه لا يجوز له رفضها وإن خالفته وناقضت أحكامه، ولا أدري كيف بعد ذلك يثبتون صحة أصل دينهم مع أن دلالة المعجزة على النبوة أساسها العقل؟ وليس هذا فقط بل كان رؤساؤهم يمنعون الناس من الاطلاع على كتبهم الدينية بأنفسهم قبل الإصلاح البروتستانتي؛ لئلا يقفوا على عيوبها وتضاربها ومناقضتها للعلم والعقل فسدوا بذلك كل منفذ للبحث والتفكر بين أشياعهم؛ ولكن لما أباح البروتستانت قراءة هذه الكتب بفضل ما وصلهم من دين المسلمين وكتبهم اشتغل الإفرنج بالبحث في هذه الكتب؛ وهم الآن على وشك أن يرفضوها كلها، وإن كان بعضهم قد نبذها فعلا وراء ظهره قبل الآن بقليل إلا أن المحامين عنها لا يزالون كثيرين، ولله في خلقه شئون.
(2) حاشية: لما لاحظ القدماء ضعف الشمس في زمن الشتاء وذبول الأشجار وسبات بعض الحيوانات أو موتها المجازي في ذلك الفصل وبعبارة أخرى موت الطبيعة وجزئياتها التي كانوا يعبدونها اعتقدوا جواز الموت على الآلهة وقالوا: إنه بسبب هذا الموت يحصلون على حياة أقوى وأرقى كما يسترد الإنسان قواه بعد النوم فلما عبدوا البشر واتخذوا منهم آلهة قالوا أيضا بموتهم وقيامتهم (بعثهم) وارتفاعهم إلى سماء الكمال والجلال وتغلبهم على الموت الأدبي والحقيقي، ومن ذلك نشأت عقيدة النصارى في موت المسيح وقيامته وصعوده وتغلبه على الموت كما تتغلب الشمس والأشجار وغيرهما على موت الطبيعة (الكون) بعد أن تخضع له مدة الشتاء وهي ثلاثة أشهر، فجعل النصارى في مقابلة ذلك مدة موت المسيح ثلاثة أيام؛ لأنه أرقى من تلك الآلهة فتكون مدة خضوعه أقل؛ لتناسب مقامه وعظمه؛ ولكنهم حافظوا على أصل العدد (أي الثلاثة) ومما زاد رغبتهم أيضا في جعل هذه المدة ثلاثة أيام بدل ثلاثة أشهر؛ ورود بعض عبارات في العهد القديم أرادوا أن يجعلوها رمزا أو نبوة عن مدة موت المسيح (راجع هوشع 6: 2 ويونان 1: 17 مع متى 12: 40) وإلى ذلك المعنى السابق في أصل هذه العقيدة أشار يوحنا (12: 24) في إنجيله بقوله عن لسان المسيح: (الحق الحق أقول لكم: إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها ولكن إن ماتت تأت بثمر كثير) ومع ما في ظاهر هذا المثل من الخطأ العلمي كما بيناه في كتاب دين الله صفحة 220 يدلنا على منشأ بعض أفكار النصارى وعقائدهم ولذلك جعلوا يوم 25 ديسمبر، وهو يوم ميلاد الشمس عند الوثنيين أي انقلابها الشتائي أو رجوعها الظاهري من عند مدار الجدي، جعلوه يوم الميلاد للمسيح (انظر رسالة الصلب صفحة 138) وجعلوا عيد قيامته في أول الربيع، وهو وقت قيامة الشمس والأشجار والحيوانات من موت الشتاء أي يوم عيد قيامة آلهة الوثنيين الذي يتغلبون فيه على سلطان الظلمة والبرد وموت الطبيعة فقالوا: إن المسيح تغلب في نفس هذا اليوم على الشيطان وظلمة القبر وعلى الموت الروحاني فخلص هو نفسه من الموت الطبيعي، وخلص أتباعه من الموت الروحاني وجعلوا قيامته في يوم الأحد وهو يوم الشمس Sunday أيضا الذي كانت تعبد فيه، وقد أفاض علماء الإفرنج في هذه المباحث وبينوا اشتقاق عقيدة النصرانية في المسيح من تلك الأفكار الوثنية فانظر وتعجب، (راجع مثلا كتاب الأصول البشرية ص62 وكتاب حكايات من العهد الجديد لمؤلفه جولد صفحة 128 - 130) .