عمل القوة بالنظام الدقيق لا يعقل إلا أنه عمل عن علم وحكمة، يفتح لك باب آخر
من دلائل التوحيد والوحدة، فإن ادعاء أن هذه القوة عرض ذاتي للمادة لا يقوم
البرهان إلا على ضده؛ لأنه يقتضي أن تكون هذه التطورات التركيبية أزلية وهي
حادثة قطعا.
ثم تذكر بعد ذلك كله ما انفتح من أبواب العلم لإثبات ما وراء المادة، فإن لم
تعد منها مسألة إدراك الأرواح وظهور آثارها فلا يفتك أن منها ما يسمونه اليوم
بالعقل الباطن، وللمقتطف فيه مقالة نشرت في جزء أغسطس من هذا العام، وهذا
يحتاج كغيره إلى شرح في جزء خاص.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: جمال الدين القاسمي
-----------------
<span class="footnote">
تاريخ الجهمية والمعتزلة
(17)
بيان أن انقسام الناس إلى التجهم يشبه انقسامهم إلى التشيع
وذلك ثلاث درجات:
قال الإمام ابن تيمية: ليس الناس في التجهم على مرتبة واحدة، بل انقسامهم
في التجهم يشبه انقسامهم في التشيع، فإن التجهم والرفض هما أعظم البدع أو من
أعظم البدع التي أحدثت في الإسلام، ولهذا كان الزنادقة المحضة مثل الملاحدة من
القرامطة ونحوهم إنما يستترون بهذين بالتجهم والتشيع، وقد كان أمرهم إذ ذاك لم
ينتشر ويتفرع ويظهر فساده كما ظهر فيما بعد ذلك.
فإن الرافضة القدماء لم يكونوا جهمية، بل كانوا مثبتة للصفات، وغالبهم
يصرح بلفظ الجسم وغير ذلك، كما قد ذكر الناس مقالاتهم، كما ذكر أبو الحسن
الأشعري وغيره في كتب المقالات.
والجهمية لم يكونوا رافضة بل كان الاعتزال فاشيا فيهم، والمعتزلة كانوا
ضد الرافضة، وهم إلى النصب أقرب، فإن الاعتزال حدث من البصرة،
والرفض حدث من الكوفيين، والتشيع كثر في الكوفة، وأهل البصرة كانوا بالضد،
فلما كان بعد عهد زمن البخاري من عهد بني بويه، فشا في الرافضة التجهم
وأكثر أصول المعتزلة، وظهرت القرامطة ظهورا كثيرا، وجرى حوادث عظيمة.
والقرامطة بنوا أمرهم على شيء من دين المجوس وشيء من دين الصابئة،
فأخذوا عن هؤلاء الأصلين: النور والظلمة، وعن هؤلاء العقل والنفس، ورتبوا
لهم دينا آخر ليس هو هذا ولا هذا، وجعلوا على ظاهره من سيما الرافضة ما يظن
الجهال به أنهم رافضة، وإنما هم زنادقة منافقون، اختاروا ذلك؛ لأن الجهل
والهوى في الرافضة أكثر منه في سائر أهل الأهواء.
والشيعة هم ثلاث درجات:
شرها الغالية الذين يجعلون لعلي شيئا من الإلهية أو يصفونه بالنبوة وكفر
هؤلاء بين لكل مسلم يعرف الإسلام وكفرهم من جنس كفر النصارى من هذا الوجه.
والدرجة الثانية وهم الرافضة المعروفون كالإمامية وغيرهم الذين يعتقدون أن
عليا هو الإمام الحق بعد النبي صلى الله عليه وسلم بنص جلي أو خفي، أو أنه ظلم
ومنع حقه، ويبغضون أبا بكر وعمر ويشتمونهما، وهذا هو عند الأئمة سيما
الرافضة وهو بغض أبي بكر وعمر وسبهما.
والدرجة الثالثة المفضلة: من الزيدية وغيرهم الذين يفضلون عليا على أبي
بكر وعمر، ولكن يعتقدون إمامتهما وعدالتهما ويتولونهما، فهذه الدرجة وإن كانت
باطلة فقد نسب إليها طوائف من أهل الفقه والعبادة وليس أهلها قريبا ممن قبلهم،
بل هم إلى أهل السنة أقرب منهم إلى الرافضة؛ لأنهم ينازعون الرافضة في إمامة
الشيخين وعدلهما وموالاتهما، وينازعون أهل السنة في فضلهما على علي،
والنزاع الأول أعظم، ولكن هم المرقاة التي تصعد منه الرافضة، فهم لهم باب.
وكذلك الجهمية على ثلاث درجات: فشرها الغالية: الذين ينفون أسماء الله
وصفاته، وإن سموه بشيء من أسمائه الحسنى قالوا هو مجاز، فهو في الحقيقة
عندهم ليس بحي ولا عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلم، ولا يتكلم،
وكذلك وصف العلماء حقيقة قولهم كما ذكره الإمام أحمد فيما ذكره في الرد على
الزنادقة والجهمية، قال: فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يثبتون شيئا، ولكنهم يدفعون