استفتاء أدباء العصر
في بيت من الشعر
ذهب ذاهب، بل كتب كاتب يقول في البيت المشهور الجامع لعيوب الخطيب
في أول كتاب البيان والتبيين للجاحظ:
مليء ببهر والتفات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل الأصابع
إن ضبط التفات، وما عطف عليه بالجر غلط، صوابه الرفع فيها كلها على أن
(التفات) مبتدأ حذف خبره، وما بعده معطوف عليه، فإن كان يوجد أحد يجيز فهمه
وذوقه للغة هذا الضبط فليتفضل ببيان ذلك لنا.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد توفيق صدقي
-----------------
<span class="footnote">
مدرسة دار الدعوة والإرشاد
دروس سنن الكائنات
محاضرات علمية طبية إسلامية للدكتور محمد توفيق صدقي
(4)
والحق أن الأعصاب كلها تربط أجزاء الجسم بعضها ببعض، كما تربط
أسلاك التلغراف بعض الممالك بالبعض الآخر.
تذييل لما تقدم
في الإرادة والروح والقوى العقلية
قلنا إن سبب حركة القلب لا يعلمه أحد إلا الله تعالى، فهي من الخواص التي
وهبها له، وكذلك وهب مثل هذه الحركة الذاتية للخلايا ذات الأهداب المبطنة
لبعض الأغشية كالشعب الرئوية، وللخلايا المتحركة ككريات الدم البيضاء وغيرها،
ولكن هناك فرقا بين حركة هذه وتلك؛ فإن حركة الكريات لا نظام لها بخلاف
حركة الأهداب فإنها في غاية النظام، وسريعة جدا، وهي في انتظامها تشبه انتظام
ضربات القلب، فكل هذه الخلايا تتحرك حركة ذاتية لا يعلم لها سبب مطلقا، وإن
كان للبيئة تأثير فيها بمثل الزيادة أو النقصان، ولكن نفس الحركة كأنها بإرادة هذه
الخلايا الحية، والحق أنها من أعظم مظاهر إرادتها وحياتها، وهي عامة في كل
الخلايا، نباتية كانت أو حيوانية؛ ولكنها تكون أظهر في بعضها من البعض الآخر
أو تكون كامنة فيه، وهي أدل على إرادة بعضها من بعضها.
ومعنى كون هذه الحركة بإرادة الخلية أنها من عملها الذاتي الذي لا يظهر أن
للبيئة تأثيرا في إيجاده وإنشائه، فمثلا تشاهد الكريات البيضاء أو بعض
الميكروبات تتحرك في السائل الواحد، ثم تسكن، ثم تتحرك بدون أي سبب
خارجي، وأحيانا تتجه إلى جهة ثم تعدل عنها إلى غيرها وهكذا، أي أن عملها
يختلف في البيئة الواحدة، ولا معنى للإرادة سوى هذا.
وكذلك المخ قد يبدأ العمل، ثم يتركه بدون أي سبب خارجي، لا في الحال
ولا في الماضي بحسب ما نعلم، بل بمحض الإرادة والاختيار، وإن عارض ذلك
كثير من الفسيولوجيين.
فالحق أن الإرادة وحرية العمل، هي أكبر خواص الأحياء، وهي أعظم ما
يميزها عن الجماد، وأما زعم بعضهم أن الأعمال كلها ليست إلا أفعالا منعكسة فهو
لا يمكن إثباته، وما هذا الزعم إلا أثر من آثار التعاليم المادية في نفوسهم.
هذا ولما كانت حياة الجسم كله متوقفة على حياة القلب، فلا يبعد أن تكون
الروح شيئا مستقرا فيه، ولا يبعد أن تكون من عالم الأثير، وبموت القلب تنفصل
عنه، ولا نقول إن الخلايا الأخرى حية بغير شيء كهذا، بل نقول إن حياة القلب
أو روحه هي أكبرها وأعظمها؛ ولذلك قلنا إن روحه هي روح الإنسان؛ لأن عليها
مدار حياته، فهي الروح الرئيسة وغيرها تابع لها.
واعلم أن القشرة السنجابية للمخ هي مركز الشعور العام والإدارة والتعقل،
وإن كان لكل الخلايا الحية مثل هذه الصفات، إلا أنها فيها في الحالة الأثرية، كما
أن الانقباض هو من خواص الخلايا الحية كلها؛ ولكنه في خلايا العضلات أظهر
منه في غيرها، وهكذا يقال في سائر الخواص الأخرى للحياة.
وهناك علاقة كبرى بين قوة المخ فيما ذكر وبين حجمه، وإذا قارنا وزنه
بوزن الجسم كله وجدنا أن مخ الإنسان أكبرها بالنسبة إلى جسمه، أما أكبر الأمخاخ
على الإطلاق فهو مخ الفيل والحوت.
ثم إنك تجد أن مخ الذكي أثقل من مخ البليد والأبله، ومخ الرجل أثقل من مخ
المرأة، وقل مثل ذلك في الراقي في العلم والأدب مع المنحط، إلا ما يستثنى من