الفهم والتفاهم
كنا نود أن لا يأتي الزمان شاهدا بليغا بصحة ما كنا نقول ونصف من
مضار الابتعاد عن الفهم والتفاهم، أما وقد أتى الزمان بهذه الشهادة التي
سمعتها كل أذن، فنحن غير ضانين بإعادة التذكير عل الحياة التي يرجى
شيء منها لقومنا في الأيام الآتية تكون في تقويم أحسن وشكل أمتن.
عهدنا القوم يقولون: نحن نؤمن أن البارئ عز وجل قد أكرمنا بهداية
عظيمة، ولكنا لا نفهمها إلا بواسطة فلان وفلان، ولتعدد الذين هم أئمة
ومقتدون لهم رأيناهم متباغضين أشد التباغض، ومتنافرين أشد التنافر، وما
ذلك إلا لأن فهم الإمام فلان قد خالف فهم الإمام فلان؛ ولكل منهم إمام معلوم،
وأعظم هذا الافتراق قد وقع بين الذين يسمون الشيعة وبين الذين يسمون
السنية، ولم ينم ويترعرع ذلك بين هاتين الفئتين الكبيرتين إلا بسبب عدم
التفاهم، ولم يبعدهم عن التفاهم إلا قول كل واحد من كل فريق منهم: نحن لا
نفهم. فلست أدري اليوم - من بعد أن رأوا ما نزل بساحتهم - أيبقى باب
الفهم والتفاهم مسدودا فيما بينهم، أم يتشاءمون بذلك السد ويرجون ما ترجوه
الأمم الفاهمة من فوائد الفهم والتفاهم.
نعم لست أدري أيبقون مصرين على سد ذلك الباب، وإن أصبح البيت
خرابا أم يلهمهم الله معرفة أن الفهم والتفاهم ليسا بمحالين كما ظنوا؟ وكذلك
لست أدري ما هي الفوائد التي ينتظرونها من ذلك السد بعد أن أدى الافتراق
والابتعاد عن الفهم إلى ما صار إليه هؤلاء المفترقون الذين يقولون: نحن أهل
ملة واحدة؛ وما أدراك ما صار إليه هؤلاء أجمعون؟ إنهم صاروا إلى أسوأ
ما تصير إليه الأمم.
نحن لا نقصد بهذا تقريعا، ولا نرمي به إلى وقيعة، غفرانك اللهم إن
علق شيء من هذا بنيتنا، أو مر بخاطرنا، كلا بل ليس قصدنا إلا التذكير وما
نحن بناسين ولله الحمد ما للناس من العذر في ذلك الموقف الذي وقفوه قرونا
متطاولة، نعني به موقف الاقتداء بالآباء والجدود فيما تعلقوا به من تقديس
فهوم بعض المتقدمين، والتبرؤ من فهومهم أنفسهم، فإن استعداد أكثر الناس
آخذ بهم إلى مثل هذا.
إي والله إنما نقصد التذكير لا التقريع، ولكي نزيد هذا تأكيدا نصف ههنا
كيف يخلص التقليد إلى أكثر النفوس، وكيف يخلص منه بعضها، فاقرأه أيها
الأخ وأنت ذاكر سنن ربك عز وجل، تخرج منه إلى ثمرة عظيمة النفع إن شاء
الله تعالى.
كان الناس أمة واحدة في أوائل أمرهم فما لبثوا أن أتت عليهم المفرقات
فأصبحوا أمما في الأوطار والأفكار، كما صاروا أمما في الأوطان والديار،
وأعظم ما طرأ عليهم من المفرقات هو الفضل الذي يوجد في علوم بعضهم
على علوم الآخرين، ولو شاء الله تعالى أن يكونوا جماعة واحدة فحسب
لفطرهم على نحو ما فطر سائر أنواع الحيوان من تساوي أفراد كل نوع منها
في المدارك تقريبا، أما وقد جعل الفاطر عز وجل بين أفراد النوع الإنساني
هذا التباين العظيم في الإدراك والإجادة؛ فإننا نفهم حينئذ أنه سبحانه قد قضى
أن لا يكون الناس أمة واحدة، فكانوا على ما نراهم عليه أمما وجماعات؛ ولله
سبحانه الحكمة البالغة، على أنه قد لطف بعباده فخلق لهم مع أسباب التفريق
أسباب الجمع، وكما جعل في تفاوت الإدراك شيئا من الضرر قد جعل فيه
ذروا من النفع، فمن كانت شهوته من فلاسفة الإنسانية أن يكون البشر على
عقل واحد فإنما يتيسر له ذلك بإعدام كل من يخلق في مداركه شيء من
الفضل على مدارك غيره.
أما الذين عافاهم الله تعالى من تلك الشهوة فأولئك يعلمون أن هذا النوع
لم تتمزق أوصاله بتفرعه إلى أمم معدودة محدودة معهودة، كلا، بل بسقت
بذلك دوحته وعظم أصلها، وازدادت قوتها، وأصبحت بحيث لا يضيرها أن
تذبل بعض فروعها.
نعم نعم، قد خلق الفاطر سبحانه أسباب الجمع كما خلق أسباب التفريق
ومن جملة أسباب الاثنين معا ذلك الاقتداء الذي جعله غريزة في البشر عامة