تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تحويل مصلحة الأوقاف العمومية بمصر إلى نظارة

الأوقاف العمومية هي المحبوسة على المصالح الإسلامية العامة كالمساجد

والمدارس والتكايا أو عمل البر والخير مطلقا أو مقيدا، ومنها أوقاف الحرمين

الشريفين والجامع الأزهر، فمنها ما وقف على ذلك ابتداء ومنها ما آل صرفه إلى

بعض هذه المصالح بعينه أو مطلقا، كأوقاف الملوك التي لا تراعى شروطها،

والأوقاف التي جهلت شروطها، أو تعذر صرفها فيها، وقد كانت هذه الأوقاف قبل

النظام الجديد الذي أوجده محمد علي الكبير في مصر تابعة لحال حكومتها في

الفوضى والاختلاع والضياع، ثم أدخلت في سلك النظام حتى جعلت نظارة من

نظارات الحكومة قبل الاحتلال الإنجليزي، ثم جعلت مصلحة مستقلة ناظرها

الشرعي هو الحاكم العام للبلاد الخديو، وهو يوكل عنه مديرا يتولى الأعمال

الإدارية العامة، وأضيف إليها كثير من الأوقاف الخصوصية للثقة بضبطها، وما

يناط بالقاضي الشرعي من تلك الأعمال كالإذن بالاستبدال وتولية النظار وعزلهم

يرجع فيه إلى قاضي مصر. وقد ترقت هذه المصلحة بالتدريج وكثر دخلها، وعمر

كثير من مبانيها وأرضها. ولكن الناس ينتقدون إدارتها وديوانها بأشد مما ينتقدون به

نظارات الحكومة ومصالحها، وكان المخلصون منهم يتمنون أن يكون نظامها أتم

من نظام تلك النظارات والمصالح وارتقاؤها أكمل لتكون حجة على اقتدار

المصري على الأعمال العامة بدون مراقبة الأجنبي وسيطرته، حتى لا يكون

للمحتلين وجه للتعرض لها ووضعها تحت سيطرتهم.

حدثني شيخنا الأستاذ الإمام في سنة 1316 عند حدوث مسألة إصلاح المحاكم

الشرعية أنه كان قال للأمير منذ سنين: إن في يد مولانا وفي الأصل أفندينا ثلاث

مصالح لا يمد الإنكليز إليها أيديهم الآن لأنها دينية، إذا أصلحتها تحيي بها المسلمين

وهي الأوقاف والأزهر والمحاكم الشرعية، فهذه الكلمة المسجلة في المنار منذ سنين

تدل على أن أهل الرأي من المسلمين كانوا يخافون من أوائل العهد بالاحتلال أن

تفضي سيطرته إلى الدين بجعل معاهد العبادة والتعليم الديني والقائمين به

وبالوظائف الدينية تحت سيطرة غير المسلمين، وكذلك ريع الأوقاف الإسلامية

المحبوسة على مصالح المسلمين، فلا يبقى للمسلمين استقلال ما حتى في أمر دينهم،

فماذا يكون لهم من الاستقلال في أمر دنياهم؟

وإنما جاء هذا الخوف مما يعلمونه من تصرف بعض الأوربيين في

مستعمراتهم الإسلامية كتصرف فرنسة في أوقاف الجزائر وتونس وفي جعلها

المساجد والتعليم الديني تحت سيطرتها، وذلك أشد ما بغضها إلى مسلمي تلك البلاد

وإلى جميع المستنيرين من مسلمي الأرض، ولكن الإنجليز أوسع من الفرنسيين

صدرا، وأكبر أناة وروية وصبرا، وأعلم بمداراة شعور الأمم وأدق خبرا، وأدرى

بمسالك التدريج في إحكام النفوذ والسلطة وأصح فكرا، وبهذه المزايا التي نبغوا فيها،

وبما في مصر من الاستعداد الطبيعي للعمران في أرضها وأهلها وحكومتها،

وبتغلغل الأوربيين فيها وما لهم فيها من الامتيازات والأملاك والديون، بهذا كله

أمكن لهم أي للإنكليز أن يسلكوا في إدارتها والسيطرة على حكومتها مسلكا لطيفا لم

تشعر الأمة بثقل وطأته ولا بأنها فقدت شيئا كان لها قبله، ذلك بأنهم كانوا يتقون

كل ما له علاقة بالدين، ويعملون سائر الأعمال بالأوامر الخديوية العالية وقرار

النظار الوطنيين، وبأن الجرائد المعارضة لم تكن تنتقد أحدا من رجال الإنكليز إلا

قليلا، وإنما كانت تبالغ في انتقاد الوزارة المصرية وتلصق كل ما تنكره من

الأعمال بها وكانت عاقبة هذا أن كل إصلاح حصل في مصر حفظ ونسب إلى

المحتلين، وكل ما كان ينتقد عليهم أو على الحكومة المصرية بسببهم قد نسيه

الجمهور، إما لأنه سلبي، وإما لأنه ألف، وإما لأنه عمل عارض ليس له صورة

باقية. وأما تأثير هذا المسلك في خارج القطر المصري فهو أنه قد جعل للإنكليز

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٨٩