تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السيد محمد شفيع آل رضا

في ضحوة يوم الإثنين أول أيام العشر الأخيرة من شهر رمضان المبارك سنة

1333 هجرية قمرية، وأواخر العشر الأول من شهر الصيف الأول (الدرجة

التاسعة من برج الأسد) سنة 1292 هجرية شمسية، الموافق لليوم الثاني من شهر

(تموز) 1915 مسيحية، وهب الله تعالى لصاحب هذه المجلة غلاما سويا أطلق

عليه اسم (محمد شفيع) .

ولد محمد شفيع تام البنية، ممتلئ الجسم، أبيض اللون مشوبا بصفرة كما هي

العادة، أحمر الشعر، أسود العينين إلى زرقة، بارز الجبهة، طويل الغرة، رافعا

إصبعه السبابة، ولم يلبث أن رضعها، ولم ينقض الأسبوع الأول إلا وقد تبدلت

الصفرة حمرة؛ فصار أزهر اللون.

فالله أسأل أن ينبته نباتا حسنا، ويوفقنا لتربيته تربية صالحة، ويجعله قرة

عين لوالديه، وآل بيته وأمته، ويستجيب لنا به وبغيره، ما دعوناه وندعو به من

أدعية كتابه ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما﴾ (الفرقان: 74)

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

شوال - 1333ه

سبتمبر - 1915م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

حال المسلمين مع غيرهم في العصر الأول

إن حالة الأمم الاجتماعية والسياسية، والأدبية لها شأن كبير في تطبيق

الأحكام على الوقائع، وهو ما يسميه علماء الأصول " تحقيق المناط "، ومن عرف

التاريخ، وفقه قواعد علم الاجتماع منه؛ فإنه هو الذي يفقه سبب إعراض الفقهاء

والحكام عن قبول شهادة غير المسلمين عليهم، وأحق ما يجب فقهه من تلك القواعد

أربع ينبغي التأمل فيها بعين العقل والإنصاف.

(أحدها) ما كان عليه المسلمون في القرون الأولى للإسلام من الاستمساك

بعروة الحق، وإقامة ميزان العدل، وعدم المحاباة والتفرقة في ذلك بين مؤمن

وكافر، وقريب وبعيد، وصديق وعدو.

(ثانيها) ما كانت عليه جميع الأمم التي فتحوا بلادها، وأقاموا شريعتهم

فيها، من ضعف وازع الدين، وفساد الأخلاق والآداب، وقد قرر ذلك مؤرخو

الإفرنج، وغيرهم، وجعلوه أول الأسباب الاجتماعية لسرعة الفتح الإسلامي في

الخافقين.

(ثالثها) ما جرى عليه الفاتحون من المسلمين من المبالغة في التوسعة على

أهل ذمتهم في الاستقلال الديني والمدني، إذ كانوا يسمحون لهم بأن يتحاكموا إلى

رؤسائهم في الأمور الشخصية وغيرها - فكان من المعقول مع هذا أن لا يشهدوهم

على قضايا أنفسهم الخاصة، وأن يمنعهم نظرهم إلى ما بينهما من التفاوت في

الأحوال الدينية، والأدبية التي أشرنا إليها آنفا من قبول شهادتهم على أنفسهم، مع

عدم ثقتهم بتدينهم وعدالتهم.

(رابعها) تأثير عزة السلطان، وعهد الفتح الذي كانت الأحكام فيه أشبه بما

يسمونه الآن بالأحكام العسكرية، واعتبر ذلك بأحكام دول الإفرنج في أيام الحرب،

بل في المستعمرات التي طال عليها عهد الفتح، أو ما يشبه الفتح يتبين لك أن أشد

أحكام فقهاء المسلمين وحكامهم على غيرهم هي أقرب إلى العدل والرحمة من أحكام

أرقى أمم المدنية من دونهم.

وقد علم من حال البشر أن الغالب قلما يرى شيئا من فضائل المغلوب، وإن

كثرت، فكيف يرجى أن يرى قليلها الضئيل الخفي؟ والجماعات الكبيرة والصغيرة

كالأفراد في نظر كل إلى نفسه، وإلى أبناء جنسه بعين الرضا، وإلى مخالفه بعين

السخط، مثال ذلك أن امرأة من فضليات نساء سويسرة دينا، وأدبا، وعلما راقبت

أحوال الأستاذ الإمام، وسيرته مدة طويلة إذ كان يختلف إلى مدرسة جنيف لتلقي

آداب اللغة الفرنسية، وكلمته مرارا في مسائل من علم الأخلاق والتربية، وكانت

بارعة ومصنفة فيهما، فأعجبها رأيه، كما أعجبها فضله وهديه، ثم قالت له بعد

ذلك: إنني لم أكن أظن قبل أن عرفتك أن القداسة توجد في غير المسيحيين.

فمن تأمل ما ذكر تجلت له الأسباب المعنوية والاجتماعية التي صدت الحكام

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٢٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٢٠٩