الانقلاب الخطر
وجمعية الأحمرين الدم والذهب
كل من نعرف من العثمانيين المخلصين، والأجانب المستقلين يعتقدون أن
جمعية الاتحاد والترقي هي جمعية الأحمرين: الدم والذهب، أما كونها جمعية دم
وثورة فهو صفتها الرسمية، ولما سقطت وزارتهم السعيدية الشقية جمعوا مؤتمرهم
العام وزعموا أنهم قرروا فيه التحول عن جمعية ثورة إلى حزب سياسي. وكان
هذا خداعا للأمة الجاهلة المسكينة، كذبته ثورتهم الجديدة لقلب وزارة كامل باشا.
وأما كونها جمعية ذهب، فلا يخفى على أحد، فقد نهبوا أموال عبد الحميد
خان وصادروا أكثر أغنياء الأمة، وباعوا بوسنة وهرسك للنمسة، وطرابلس
الغرب لإيطالية، واتفقوا مع الجمعية الصهيونية على بيعها أراضي السلطان عبد
الحميد الواسعة، وعلى تمهيد الأسباب لامتلاكها البلاد المقدسة لإقامة ملك إسرائيل
فيها، ولهذا قال وزيرهم حقي باشا في خطبة علنية له: إن مستقبل هذه الدولة
العثمانية لليهود. وأخذت وزاراتها من ميزانية الدولة أكثر من 40 مليون جنيه لم
يظهر لها أثر يذكر.
لأجل هذا كله كنا نخشى أن تعود لها الكرة لامتلاك زمام الدولة فتكون
هي الكرة الخاسرة، وتقوم بذلك قيامة هذه الأمة البائسة في هذه الأحوال الحرجة،
وزاد هذا الخوف في قلوبنا إخراج الجمعية لبطلها أنور بك من درنة الذي وضعته
هناك وجعلت في يده جميع الإعانات الحربية؛ لتوهم العالم الإسلامي أنها هي التي
تدافع عن طرابلس وبرقة، وما هي إلا البائعة لهما على الوجه الذي بيناه من قبل،
وإنما أخرجته وجاءت به إلى الآستانة ليعينها باسمه وشهرته الخادعة على الثورة
وسفك الدم. وقد وقع ما كنا نتوقع، وهاك ما ورد علينا وعلى غيرنا من أصحاب
الجرائد المصرية من الآستانة في ذلك:
رسالة إلينا خاصة من الآستانة:
كتب إلينا أحد الأصدقاء من عاصمة الملك ومركز الحوادث يقول:
(أكتب إليكم، وأنا أشهد بعيني، وأسمع بأذني كيف تكون مصارع الدول،
وكيف تخط مضاجع الأمم، وكيف يفتك العلم بالجهل، وتستولي النباهة على
الخمول، وكيف تنشب القوة مخالبها في الضعف فتمزق أشلاءه، وكيف
يتضاءل المقصرون أمام السابقين، ويتضاغر المهملون لصولة العاملين، هذا
وهؤلاء المتأخرون في كل شيء، والمتقدمون إلى شفير كل هلكة، كأنهم لا
يألمون لما يألم له الأحياء، فنراهم في غمرتهم ساهين، وعلى ما ألفوا من
الحرص والطمع عاكفين، وعلى هذا الذماء الحقير من السلطة متهالكين، كأن
الآلام تقع على غيرهم، وكأن من يقصد بهذا الشر المستطير سواهم، فكل ما
حل بهم وما سيحل بمن يتصل بهم لم يظهر له ولا أثر ضعيف في أعمالهم
وحالهم، أو كما يقول شاعرهم التركي:
عالم ينه أول عالم ... دوران ينه أول دوران
بل أشهد كيف يحتفر الجاهل قبره بيده، ويهدم قصره بفأسه ومعوله،
حتى لا يترك للعدو سبيلا إلى العناء، فلقد اختلس الطامعون فرصة اشتغال
العسكر في المرابطة على الحدود، واشتغال الوزارة بالجواب على مخطرة
الدول، فخرجوا من زقاق شرف، مع رئيس من رؤسائهم المعروفين بعدد من
الزعانف لا يبلغ المائتين، أعيتهم الحيل في جمعهم، ومنهم قسم عظيم من
جهال مهاجري طرابلس الغرب، أغروهم بالوقوف أمام الباب العالي يطلبون
معاشهم الذي مضى وقت صرفه، ولم تتمكن الوزارة من تدارك قرض لصرفه،
فوقفوا ووقف أولئك معهم يصيحون ويصخبون، وجاء رئيسهم أنور فدخل على
كامل باشا ورفاقه وطلب إليهم الاستعفاء بحجة أنهم ضعفوا أمام الأعداء وأطمعوهم،
وأشار إليهم بأن ممثلي الأمة وراءه وهم الواقفون أمام الباب، وكان ذلك بعد
أن اغتيل ذلك القائد العظيم ناظم باشا وضابطان آخران، فاضطرت الوزارة
إلى الاستقالة وخرج أنور وهو يكاد يسامق الفلك غرورا، وتوجه توا لسفارة
ألمانية حيث مكث هناك برهة ثم صعد إلى سراي طولمه باغجه، حيث أخبر
السلطان بعمله، وأشار عليه بنصب محمود شوكت باشا، وإعادة الوزارة