تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اللامركزية الإدارية

حياة البلاد العثمانية

جربت الحكومة المركزية العثمانية عدة قرون بالحكم المطلق وخمس

سنين بالحكم الدستوري النيابي فلم تفلح، وكانت خمس سنين منها دستورية،

أسرع إلى التخريب من خمس مئة سنة استبدادية، فظهر لكل ذي بصيرة أن

هذه المملكة المؤلفة من أقطار متنائية الأرجاء مختلفة العناصر في اللغات

والعادات والتقاليد والأخلاق، لا يمكن أن يحسن إدارتها الداخلية أفراد من

عنصر واحد من عناصرها يتربون ويتعلمون في عاصمتها من علوم الإفرنج

ولغاتهم وقوانينهم ما يريدون الاستعانة به على إدارتها مع جهلهم بلغاتها

وسائر شئونها، ويجعلون جميع مصالحها مرتبطة بالعاصمة البعيدة عن

أكثرها، والتي يجهل لغتها التركية السواد الأعظم من أهلها، بحيث إذا أراد

رجل عربي أن يفتح مكتبا أهليا في ذروة جبل من اليمن لا يبيح له نظامها

فتحه إلا إذا كتب إلى العاصمة باللغة التركية يستأذن بذلك وجاءه الإذن؛ ولن

يجيئه إلا إذا كان يعلم بالتركية، ولن يجد من يعلم بها، وإذا هدم مكان

للحكومة في أبعد أرجائها لا يجوز بناؤه ولا ترميمه إلا بعد استئذان العاصمة

وورود الإذن، ولن يرد إذا اهتموا به إلا بعد عدة شهور وإلا فعدة سنين.

أكبر ما استفاده العثمانيون من إعلان الدستور جواز إبداء آرائهم في

حكومتهم ومصالحهم، وقد صرح بعضهم في السنة الأولى للدستور بأنه لا

يستقيم أمر هذه المملكة إلا بالإدارة اللامركزية، ولكن الجمهور صبروا على

حكم المركز مع اشتداد وطأته بغلو الاتحاديين وإسرافهم فيه، فرأوا من بوادر

نتيجته أن الاتحاديين وجهوا قوة الدولة كلها لقتال عناصرها وتذليلهم فنكلوا

بالأرنؤوط وعرب اليمن وعسير والكرك وحوران، وأضاعوا طرابلس

الغرب، فالولايات الأوروبية العثمانية كلها، واضطروا إلى الاعتراف

باستقلال إمام اليمن في بلاده وعرضوا مثل ذلك على السيد الإدريسي في

عسير، فكان كلما حدثت حادثة من هذه الحوادث يقتنع كثيرون من أهل

البصيرة والرأي بأن عدم المركزية خير وأبقى لهذه الدولة؛ فإن لم تبادر إليه

اضمحلت اضمحلالا، وانحلت انحلالا.

وقد كان أكبر الشبهات التي يغالط بها المتمتعون بالمركزية العامة

وأشياعهم، أن اللامركزية تمزق الدولة فيسهل على الأجانب ابتلاعها، ولكن

أهل المعرفة والحجة قد بينوا الحقائق للجمهور، فلم يعد يهذي بهذه المغالطة

مع المتمتعين بلذة السلطة المركزية وعظمتها وأموالها إلا منافق متملق لهم؛

ليشاركهم في بعض ما يتمتعون به، أو جاهل غملاج، يتابع كل أحد على

رأيه.

تكشف هذه الشبهة بكلمة واحدة، وهي: أن المطلوب هو اللامركزية الإدارية

وهو لا دخل له في السياسة الخارجية ولا في الحربية، وحفظ البلاد من

استيلاء الأجانب عليها إنما يكون بالقوة الحربية أو الوسائط السياسية، ولا نعلم أن

أحدا ينازع العاصمة فيهما، على أن مسألة طرابلس الغرب وحرب البلقان قد

أثبتا لكل ذي عقل وفهم أن حكومة الآستانة لا تقدر أن تصد أية دولة من الدول

الكبرى عن امتلاك ما تطمع فيه من بلادها، فعلم من لم يكن يعلم أن بقاء ما

بقي للدولة منوط أمره بالدول الكبرى إن شاءت أن تقسمه بينها فعلت، وإن

شاءت أن تتركه فعلت، والثاني هو المرجح عندنا الآن لما بيناه في موضع آخر

من هذا الجزء، ولا دخل فيه لشكل إدارة الولايات ألبتة. بل نقول: إن جعل ما

بقي تحت نفوذهن بالوسائل المالية أو السياسية وهو الخطر المنتظر لا يتم لهن

بسهولة إلا مع بقاء الحكومة المركزية؛ إذ يكفي إرضاء اثنين أو ثلاثة من أصحاب

النفوذ في مجلس الوكلاء لأخذ كل ما تريده أوربة من الامتيازات والأراضي

العثمانية، ورهن موارد الدولة، ولا يسهل هذا مع اللامركزية؛ لأنه يتوقف على

إقناع مجالس الولايات ثم العاصمة، فالخطر كل الخطر على البلاد إنما هو

من الحكومة المركزية، ولا سيما إذا كانت السلطة بيد جمعية الاتحاد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١١٧