تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تقريظ المطبوعات الجديدة

(العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ)

هذا الكتاب من تصنيف أحد علماء اليمن المجتهدين، الشيخ صالح

مهدي المقبلي المتوفى سنة 1108، وكان في الأصل على مذهب الزيدية

ولكنه قرأ كتب الكلام والأصول وعرف مذاهب الفرق كلها وكتب التفسير

والحديث وسائر العلوم، وطلب بذلك الحق ومرضاة الله تعالى، فانتهى به ذلك

إلى ترك التمذهب وقبول الحق الذي يقوم عليه الدليل، وقد شهد له الإمام الشوكاني

بالاجتهاد المطلق، وهو يشرح في هذا الكتاب أمهات المسائل التي وقع الخلاف

فيها بين المذاهب الشهيرة كالأشعرية والمعتزلة وأهل السنة والشيعة الزيدية

والإمامية وكذا الصوفية. ويبين ما يظهر له أنه هو الحق ولا يتعصب لمذهب

على مذهب، وهذا هو مراده الذي يدل عليه اسم كتابه.

وقد توسع في الكلام على مسائل التحسين والتقبيح العقليين، والكسب

والاختيار والجبر، وأفعال الباري تعالى وأفعال العباد، ورواية الحديث

ونقدها، والجزاء والتوبة، وافتراق المسلمين والفرقة الناجية المشار إليها في

الحديث، والطائفة التي تبقى ظاهرة على الحق لا يضرها من خالفها فيه،

وعنده أن أهل الحق يكونون من مجموع المسلمين لا من أهل مذهب معين،

وبين في هذا المقام مفاسد الخلاف بين المسلمين ومضاره، ومسألة وحدة

الوجود وحقيقة حالة أهلها، ولا تكاد تجد كتابا منشورا تعرف منه حقيقة

مذهب المعتزلة والزيدية غير هذا الكتاب، ومنه تعلم أن أكثر ما تجده في كتب

العقائد المتداولة من مذهب المعتزلة خطأ؛ لأنه من نقل المخالفين لهم نظروا

إليه بعين السخط، ونقلوه بالمعنى لا بالنص، وتصرفوا فيه كما فهموا، وبهذا

يتجلى لك صدق قول العلماء من أن نقل المخالف لا يعتد به.

كان هذا الكتاب من الأسرار والمخبآت يكتمه كل من يظفر بنسخة منه

إعجابا به وخوفا من الناس أن يشنعوا عليه؛ لأنه يخالف كل مذهب من

المذاهب في بعض المسائل، وإن لم يخرج عن مجموعها في شيء، وهو شديد

الحملة على ما يعتقد بطلانه، قوي الإنكار لا يتحامى التشنيع والنبذ بالألقاب

المنكرة، فهو في هذا الخلق يشبه الإمام ابن حزم الذي هجر جمهور الناس كتبه

في الأصول والفقه لشدة إنكاره على مخالفيه من أئمة الفقهاء، ونبزهم بلقب

الجهل وما أشبهه من الألقاب، ولولا ذلك لاشتهرت كتبه وأخذ الناس

بها، وترك كثير منهم مذاهبهم إليها؛ لأنها في الذروة العليا، كما شهد بذلك سلطان

العلماء الشيخ عز الدين بن عبد السلام الشهير إذ سئل عن أحسن ما كتبه المسلمون

في الفقه فقال: (المحلى) لابن حزم و (المغني) للشيخ الموفق، وأنا أرى

أن كتب ابن حزم هي أكبر وأوسع مادة استمد منها شيخا الإسلام ابن تيمية وابن

القيم. ولكنهما كانا أنزه قلما وأشد أدبا مع الأئمة.

فكتاب (العلم الشامخ) ككتاب (المحلى) هو من الكتب التي يستفيد منها

العلماء الخواص أصحاب العقول والأفهام المستقلة والصدور الواسعة، وقد نقل

عنه شيخ الأزهر العطار الشهير في حاشيته على الجلال المحلي، فدل ذلك

على أن الكتاب كان يتداوله العلماء ويتناسخونه كما كانوا يتناقلون قبل ذلك

كتب ابن حزم.

وقد تصدى لطبع هذا الكتاب منذ ثلاث سنين بعض الشرفاء والفضلاء

الحجازيين والسوريين بعد أن استنسخه بعضهم من مكتبة حسين حسني أفندي

الذي كان شيخ الإسلام في دار السلطنة، ولما قيل له: إننا نريد طبعه، قال:

ومن يتجرأ على طبعه؟ ومن عاش معظم عمره في حجر السلطة الحميدية

تحيط به جواسيسها لا يبعد منه أن يقول مثل هذا القول، على أنه رحمه الله

كان من أوسع علماء الآستانة صدرا، وأشدهم تسامحا، وكان معجبا بالكتاب

ضنينا به، ولكنه سمح بنسخه، ولو علم بما يطبع في مصر من كتب الفرق

والجدل، ومن كتب دعاة النصرانية، لرأى الفرق الكبير بين مصروالآستانة

حتى في عهدها الذي يسمى الدستوري.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٠