إذن سلطاني
عن فتوى شيخ الإسلام بالحكم بغير المذهب الحنفي
أو أوامر مهمة في إصلاح القضاء الشرعي [*]
بسم الله الرحمن الرحيم
لا يخفى أن محاسن الشريعة المحمدية يسرها وسماحتها ومشيها مع
المصالح في كل شئونها، ولذا كان من أوائل أصولها ودعائم قواعدها أن لا
ضرر ولا ضرار، واتساع الأمر إذا ضاق، ورفع الحرج والعسر، ونحو ذلك من
قوانينها المقررة، ونواميسها المحررة، فاليسر ورفع العسر لازم من لوازمها،
وخاصة من خصائصها، كما أن من مزاياها وفرة المآخذ لأحكامها، وتنوع
المدارك لفروعها، فقد فتح بفضل ذلك أبواب لمخارج لولاها لضاقت الصدور.
وقد رحم الله سبحانه - وله الحمد - هذه الأمة بكثرة مجتهديها وانتشار
فقه أئمتها، وتلقي ذلك خلفا عن سلف حتى سهل الانتفاع بعلومهم وفروع أصولهم،
والاستمداد من مدوناتهم وفتاويهم، وحتى أصبح أسلوب التفريع في كتب الفقه
والفتاوى خير رائد لتعلم الحكم والقضاء وتوليد الفروع من الأصول، وتعرف الأشباه
والنظائر.
أقول: كتب الفقه، وأعني بها كتب عامة الأئمة المجتهدين وأصحابهم
وأتباعهم رضوان الله عليهم، فهي التي تجلى فيها يسر الدين ورحمته، وكاد
أن لا تقع نازلة إلا ويجد المنقب لهم كلاما في أمرها، هذا إذا نظر إلى النوازل
من الوجهة الفقهية؛ وأما إذا نظر إليها من الوجهة الأصولية فلا ريب أن آيات
الأحكام المنزلة، وأحاديثها المصححة والمحسنة كافية وافية كلها بمنطوقها
ومفهومها، عامة لكل ما جد ويجد.
من هنا كان الخلاف رحمة، أي اختلاف المآخذ وتنوع وجوه المدارك
وتعدد مناحي المصالح؛ إذ بذلك صار يتسنى تعرف الأقوى فالأقوى من
الأقوال، والأصلح فالأصلح من الأقضية لمراعاة الأحوال، وارتفع الحرج من
التحريج على الأفكار، واستبان الأحق بالقبول، ولم يبق إلا تطبيق العلم على
العمل.
ومن المعلوم أن كثيرا من مسائل القضاء الشرعية كمسألة فسخ عقد من
يغيبون غيبة منقطعة إنما يتمشى القضاء بها على بعض المذاهب دون البعض،
فكم من أقضية لا يتيسر القضاء بها الآن على مذهب النائب الشرعي الحنفي
لانحصار قضائه في مذهبه الذي أنيب للحكم به؟ وأما على غير مذهبه فيمكن
القضاء بها إلا أن أمر تنفيذ القضاء بها موقوف على توسيع الإذن للنائب
الحنفي بأن يولي القضاء لمن يقضي بتلك النازلة على مذهبه ممن يراه أهلا
للقضاء والحكم، فإذا قضى هذا نفذ النائب الأصلي قضاءه فينفذ حينئذ.
وأما الوقائع لهذه القضية التي سهل العمل بها الآن، وكان مغلقا دونها
أبواب التنفيذ فلا تحصى أيضا، فيعلم الناس أن من الرجال من يغيب عن زوجته
غيبة ينقطع بها خبره، أو يكون لا مال له حاضر ينفق عليها منه أو يعسر
بنفقتها المعروفة فيفر من وجهها ويتعذر الإنفاق عليها حينئذ لفقد مال له تعاش
به أو تراش، فكيف المخرج لهذه البائسة أتبقى؟ على هذه الحالة التي سكرات
الموت أهون منها، أم ترجع إلى ما عسى أن يكون لها في الشرع الأنور فرج
ومخرج؟ لا جرم أن لها فرجا ومخرجا، والدين ليس بالجافي، وإن ضاق بها
مذهب فقد يتسع لها مذاهب، وأقوال الأئمة اشتملت على كثير مما فيه سعة
ورحمة.
أنا لا أحصي مذاكراتي مع قضاة دمشق وسواها لحل هذه المعضلة، وإزاحة هذه
المشكلة، بل كثيرا ما فاتحت بها مبعوثي سورية وغيرها ممن رغبت إليهم في
اقتراح توسيع المجلة بأبواب أخر، لا سيما في بابي النكاح والوقف، بل كلمت مرة
في ذلك شقيق أحد الصدور العظام لما قدم دمشق، كل ذلك لما يحمله قلبي من هم
تلك النازلة؛ وما يشغل فكري على المدى من تلمس المخرج لها.
ما اتفق أني تجولت في ضواحي دمشق ومراكز أقضيتها إلا وشكا لي خيار
نوابها ومن نزلت بهم هذه المسألة ضيق صدورهم بمصابها، فكم يشكو آل الزوجة
غيبة الزوج في بلاد أميركا مثلا وانقطاع خبره وطول مدة غيبته وإهماله إقامة وكيل