الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
محاضرة الدكتور كريستيان سنوك هرغرنج
الهولندي في الإسلام ومستقبل المسلمين
وعدنا أن نعلق شيئا على هذه المحاضرة التي نشرناها في الجزء الماضي
ووفاء بالوعد نقول:
(1) يظهر من كلام الدكتور أنه اختبر المسلمين اختبارا واسعا قلما يصل
إلى مثل غوره الأجنبي، فهو قد أصاب في أكثر ما ذكره عنهم من رأي وخبر، ولكنه
ما عرف حقيقة الإسلام وكنهه، وأنى له أن يعرف ذلك؟ ومن أين يعرفه؟
يقول: إنه درس الإسلام وعرف أصوله وفروعه من مكة المكرمة حيث أقام
ثمانية أشهر يتلقى عن بعض العلماء! سبحان الله! إن أهل مكة أقل أهل الأمصار
الإسلامية عناية بالعلم الديني وغيره، ومن يوجد فيها من المدرسين الغرباء، فقلما
يوجد فيهم أحد من المبرزين الأقوياء، وإن وجد فيهم من يتقن بعض العلوم الشرعية،
فهو لا يقرأ الدروس إلا على طريقة متأخري المسلمين العقيمة، طريقة المناقشة في
عبارات بعض كتب المذاهب، فالثمانية الأشهر لا تكفيه لقراءة عقيدة كالنسفية أو
السنوسية، ونحوهما من كتب الكلام على مذهب الأشعرية، ولا لقراءة باب
الطهارة والصلاة من متوسطات كتب الشافعية أو الحنفية. وعلم الكلام - الذي هو
علم فلسفة العقائد الإسلامية - يقول فيه الإمام الغزالي: إنه ليس من علوم الدين
وإنما هو حارس للعقيدة كالعسكر الذين يحرسون البلاد أو الحجاج مثلا؛ بل نقول إننا
على سعة اختبارنا للعالم الإسلامي لا نعرف مكانا في الأرض تبين فيه حقيقة الإسلام
التي يمثلها القرآن وسنة الرسول المتبعة وسيرة السلف الصالح، من العقائد والأخلاق
والآداب، والسياسة والإدارة والقضاء، تبيانا سالما من الشوائب والأوهام، بحيث
تتلقى بسهولة في ثمانية أشهر أو أعوام (وأرجو أن يوفق لهذا من يتخرجون في
مدرسة دار الدعوة والإرشاد) .
(2) اعترف هذا الدكتور الهولندي بأنه ادعى الإسلام نفاقا أو خداعا
للمسلمين ليسبر غورهم وغور دينهم من حيث تأثيره في حياتهم المدنية والسياسية،
وقد فعل مثل هذا غيره من أفراد الشعوب الأوربية أصحاب المستعمرات الإسلامية،
كالفرنسيس والروس والإنكليز. ولو كان للمسلمين حكومات منظمة، وجمعيات
إصلاحية عامة، لما تيسر لهؤلاء الجواسيس ما يتيسر لهم وأمر المسلمين فوضى.
وإننا نرى هؤلاء المستعمرين يراقبون كل غريب يدخل مستعمراتهم ولا سيما إذا
كان مسلما. فلا يفوتهم من حركاته ولا أقواله شيء.
(3) بين الدكتور أن الإسلام الديني كان قائما على أساس الإسلام
السياسي، وأن المسلمين كانوا واثقين بدينهم راضين به إذ كانوا أحرارا يرون أن
العالم كله ملك لهم بالفعل أو بالقوة، عليهم أن يفتحوا منه ما لم يفتحوه. وهذا الذي
ذكره عن المسلمين هو الذي عليه الإفرنج الآن، فهم يرون أن العالم كله ملك لهم،
ولذلك يتفقون فيما بينهم على اقتسام الممالك المستقلة؛ ثم ينفذون ذلك، ولا مجال هنا
للبحث في تفصيل هذا وبيان مآخذه. ولكننا ننبه عقلاء القراء إلى الاعتبار بحالهم
السابقة وحال الأوربيين الحاضرة، ثم العبرة كل العبرة فيما رتبه هذا السياسي
الكبير على هذا وهو:
(4) بين أن الأوربيين قد سلبوا المسلمين ذلك الاستقلال والحرية بالتدريج،
فاضطر المسلمون إلى تعديل أفكارهم في الإسلام الديني بعد زوال الأساس الذي
بني عليه وهو الاستقلال السياسي، ثم نقل أن بعض الساسة الأوربيين يرون أن
سقوط الإسلام الديني يتبع سقوطه السياسي، فيزول الإسلام من الأرض، وأنه
يخالفهم في ذلك، ويرى أن الإسلام الديني لا يزول كما أنه لا يبقى كما كان في عهد
استقلاله والثقة به، وسنذكر ملخص رأيه فيه والعبر لمن يعقل من المسلمين في
هذا كثيرة، ومن أهمها غرور المفتونين من المسلمين الذين يظنون أنهم يحفظون
استقلالهم السياسي أو يؤسسون لهم استقلالا جديدا مع ترك الدين، فإن هذا إذا جاز
في غير الإسلام لا يجوز فيه؛ لأن جميع المقومات للأمة جعلها الإسلام إسلامية.
(5) كما بين إزالة أوربا لاستقلال الإسلام السياسي بالاستيلاء على ممالكه
الواسعة، بين تصرفها في إزالة استقلال أفراد المسلمين في أنفسهم، بما بينه من
تغلغل الآراء الأوربية في أفكارهم، وزلزلتها لكثير من مقوماتهم ومشخصاتهم الملية
التي يمتازون بها عن غيرهم، وبها كانوا أمة واحدة، وبين أن إزالة بعض
المميزات العادية كاللباس، له دخل في إزالة المميزات الدينية كالصلاة، فقال: إن
أداء الصلوات الخمس صار متعذرا على المتفرنجين، الذي يلبسون الزي الإفرنجي،
(قال) وسيتبعه الصيام. فجزم بأنهم يتركونه، وبأن الشرائع التي كانت مقدسة
عامة ستكون خاصة بحجاج مكة والمتصوفة.
وطالما نبهنا المسلمين على ضرر هذا الانسلاخ من العادات والأخلاق بتقليد
الإفرنج، وقد فطنا لهذه المسألة في أثناء اشتغالنا بطلب العمل بطرابلس الشام، فكتبنا
في بحث الزي واللباس فصلا طويلا ينافيه أنه ليس للإسلام زي ديني خاص، وأن
ضرر تغيير الزي سياسي اجتماعي، وإنما يمس الدين ويكون محرما شرعا لأسباب
عارضة ككونه ضيقا يمنع من أداء الصلاة. ولكن جماهير المسلمين لا يزالون
بمعزل عن فهم أمثال هذه التنبيهات والنصائح، حتى إنه ليسخر بها من يعدون
أنفسهم من الفلاسفة والسياسيين، وإنما هم من السفهاء المفتونين.
(6) ذكر من أثر سلطان الإسلام في أهله أن الآراء الأوربية على شدة
تغلغلها في أنفس المسلمين وتحويلها لعاداتهم وأفكارهم، وتغييرها لشؤون حياتهم،
لم تقو على محو الشعور الديني من قلوبهم، حتى إنه كان يعرف تلاميذه المسلمين
من غيرهم بمجرد قراءته لمنشآتهم؛ لأن روح الإسلام لا بد أن تتجلى في عبارتها.
(7) يعلل الدكتور بهذا وغيره ما رآه ورواه من خذلان دعاة النصرانية
(المبشرين) فيما يحاولون من تنصير المسلمين؛ لأنهم يعرفون النصرانية ويعتقدون
أنها فسدت وأن الإسلام أرقى منها. وهذا القول الذي قاله صحيح، وإن كان يجهله
من لم يكن له مثل علمه واختباره، فنحن نعتقد أن أصل النصرانية صحيح، وأنه
طرأ عليها التبديل والتغيير، وإن الله أكمل دينه بالإسلام، على سنته في النشوء
وترقي الاجتماع في الأقوام.
(8) رأي الدكتور في مستقبل المسلمين - الذي أطال في بيانه - هو أنهم
يكونون مثل اليهود في زوال الملك والرضا بحكم الأوربيين وسيادتهم، مع
المحافظة على شعور دينهم وبعض تقاليده مثلهم، ومجاراة الإفرنج في سائر الشؤون
وإن كان فيها ترك أحكام الإسلام وآدابه. واستدل على ذلك بتحول أفكار المسلمين
عن الرضا بالتربية الدينية القديمة إلى لغات الأوربيين وعلومهم وتربيتهم.
(9) يرى هذا الدكتور الهولندي ما يراه الفرنسيون وغيرهم أن ما يراد
إدخاله على الإسلام من الآراء والأفكار التي يريدها دعاة النصرانية يجب أن يبث
في المسلمين باسم المدنية لا باسم الدين، فحينئذ تقبل. وهذا ما تجري عليه فرنسا
في مستعمراتهم الإسلامية؛ يعني أن المسلمين قد فتنوا باسم المدنية الأوربية
ومظاهرها، فهم يقبلون من بابها كل شيء - وإن لم يوصل إليها - لا يميزون بين
كفر وإيمان، ولا بين ضار ونافع. وأما ثقتهم بدينهم ورؤيتهم دين النصرانية دونه
فهما مما يحول دون قبولهم لشيء ما من دعاة النصرانية باسم النصرانية.
(10) ملخص المحاضرة: إن أوربة أزالت استقلال الإسلام السياسي
وانتزعت ملك المسلمين من أيديهم بالتدريج، وإنها شرعت في إزالة سائر مقوماتهم
ومشخصاتهم القومية التي كانوا بها أمة واحدة، دينية وغير دينية، حتى اللغات
والعادات وأركان الدين، وإن أهل الرأي فيها مختلفون في دين الإسلام نفسه: هل
يمكن إزالته من الأرض بعد إسقاط الحكومات الإسلامية كلها أم لا؟ فبعضهم يرون
إمكان ذلك فيبذلون الملايين لدعاة النصرانية لتنصير المسلمين. وبعضهم يرى
الإسلام لا يزول بالمرة، ولكن ينبغي أن تزال ثقة المسلمين به، وأن يحولوا باسم
المدنية عن جميع ما يربط بعضهم ببعض حتى اللباس، فبهذا يكونون فعلة وزراعا
للسادة المالكين لبلادهم، إذ لا يستغنون عنهم في استخراج خيرات الأرض، وهذا
ما يسعى إليه قوم آخرون.
ومن العجائب أن محاضرة كهذه تترجمها جريدة سورية بالعربية، وتجعل
عنوانها: (مقاومة الإسلام لنفوذ النصرانية) كأنه كبر عليها قول الخطيب: إن
المبشرين لا يستطيعون تنصير المسلمين، فعدت هذا من مقاومة الإسلام للنصرانية،
وهكذا تقول بعض الجرائد القبطية هنا إذا قابل بعض المسلمين طعن المبشرين
بجزء من ألف جزء. فمتى يفهم المسلمون ومتى يعقلون؟
(11) نحن نسلم قول الكاتب وفاقا لكثير من أحرار الإفرنج: إن أوربة قد
أزالت استقلال الإسلام السياسي، ولا يصدنا عن هذا التسليم إبقاء أو بقاء خيال من
الاستقلال ضعيف في بعض البلاد، يدير بعضه النفوذ الأوربي ظاهرا وباطنا أو
باطنا فقط، ولا وجود بعض الإمارات الصغيرة غير المنظمة التي يدور حولها
النفوذ الأوربي ولا يجد له الآن منفذا للدخول في أحشائها؛ كقلب جزيرة العرب، ولو
كان عدد العقلاء الذين يفهمون هذه الحقيقة ولا يغترون بخيال الاستقلال الرسمي أو
ظلاله مثلنا كثيرا، لكان نهوض الإسلام من سقوطه السياسي والديني قريبا، ولكن
جمهور المسلمين الأكبر كالأطفال الذين يظنون أن الصور المتحركة التي يرونها في
الملاعب تمثل الملوك والجيوش والوقائع - هي من الأحياء التي تتحرك وتعمل
بإرادتها.
ولو عرف الدكتور الحاذق النبه حقيقة الإسلام كما عرف أحوال المسلمين
الاجتماعية، ولو دقق نظره بعد ذلك في شؤون المسلمين فضل تدقيق، وقاس
حاضرهم الذي عرفه بماضيهم القريب المظلم وماضيهم البعيد المشرق - لعلم أن في
الإسلام قوة كامنة لم يكن لليهود مثلها ولا ما يقرب منها عندما زال ملكهم، ولا قبل
ذلك ولا بعده. ولعلم أن هذه القوة لو وجدت من يحسن استخدامها والانتفاع بها
لأمكنه أن يملك بها الشرق كله، أو يكون سيده الأول؛ ولكن من سوء حظ الشرق
لم يوجد في هذه القرون الأخيرة عقل نير أدرك هذا بقوة أشعته ولا همة عالية
أرادت أن تتصدى له، إلا عقل نابليون الكبير وهمته ولكن حالت الأقدار بينه وبينه.
ولو عقل الدكتور السياسي هذا وخبره لأقنع دولته بأن تكون هي الدولة التي
تسود الشرق بالمسلمين، ولو أقنعها لأمكنها ذلك؛ وإن كان مسلمو بلادها أضعف من
غيرهم في قوتي العلم والعمل وفي المجد التالد والطارف. أما لو فطن لمثل هذا
العمل فرنسة أو إنكلترا لكانت كل منهما أقدر عليه من غيرها.
فإذا ظلت هذه الدول تملك عشرات الملايين من المسلمين، محجوبة عن
الحقيقة بما ضربه التاريخ دونه من حجب السياسة والدين، فليس من البعيد أن
تفطن له دولة اليابان، إن صح ما يظنه الأوربيون من أنهم قطعوا طرق الحياة كلها
على هذه البقايا من دول الإسلام.
وأما الإسلام الديني فهو لا يزداد إلا قوة وجدة مهما حل بالإسلام بالسياسي،
وقد حفظ الدكتور منه شيئا وغاب عنه أشياء: فإن كان بعض المتفرنجين قد تركوا
الصلاة والصيام، ويظن هو - كما يظنون - أن الجماهير سيتبعونهم في هذا
الضلال افتتانا بزخرف الشهوات المدنية، وما تعبث بعقولهم الآراء الأوربية، فليعلم
أن عدد المصلين يزيد ولا ينقص، وأن هؤلاء المتفرنجين المفتونين سيرجع بعضهم
إلى الهدى، وينبذ المسلمون البعض الآخر نبذ النوى، وأن الإسلام دين المستقبل:
{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف
بربك أنه على كل شيء شهيد} (فصلت: 53) .
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>