صدر بمصر القاهرة في 9 ذي القعدة سنة 1331 - 26 أيلول سنة 1329
مالية عثمانية 9 أكتوبر سنة 1913.
-----------------
<span class="footnote">
(*) نشر حزب اللامركزية هذا البيان بالتاريخ الذي يراه القراء في آخره، وسنتكلم عنه في موضع آخر.</span></span>
الكاتب: أمين أبو خاطر
-----------------
<span class="footnote">
الجنسية واللغة
يراد بالجنسية الانتساب إلى قوم تضمهم جامعة واحدة ويخضعون لقانون واحد
بدون التفات إلى وحدة الأصل وكثرة العدد واختلاف اللغة والدين كالجنسية
الفرنساوية والألمانية والإنكليزية والعثمانية والنمساوية إلخ، وهي في عرف الناس
وفي نظر رجال الحكومات صفة لازمة للقومية وقوة مقومة لكيان المملكة وحفظ
المجتمع، وفي نظر بعض علماء الاجتماع ضلال من ضلالات الزمان، التي
استولت كما استولى غيرها على الأذهان، ولا بد أن يقضي الزمان بإلغائها كما
قضى على غيرها من الأوهام والخرافات.
يظهر لأول وهلة أن هذا الرأي الأخير بدعة تزعزع أركان الوطنية وتبدد
عناصر القومية، وتضعف روابط الجامعة وتهدم بناء المملكة ولكن يتضح بعد
الإمعان والتمعن في ما يلي أنه حقيقة لا بد من ثبوتها في المستقبل البعيد.
إذا استولى الوهم على الذهن كان أشد تأثيرا فيه من العقل وإذا اندس في أخلاق
الأمم وعاداتها كان شديد المراس لا يزحزح إلا بعد جهد وعناء شديدين. وإذا طال
الزمن على عقيدة فاسدة شق على العقل والعلم نقضها وإقناع الجمهور بفسادها؛ لأن
الخرافات أعلق بالأذهان من الحقيقة وأشد منها تمكنا واستمساكا، بدليل ما نرى منها
إلى الآن في عادات أرقى الأمم مدنية وأعلاها علما وأدبا، ومن قبيلها إجماع الناس
على الاعتقاد بالجنسية اعتقادا غلب فيه الوهم على الحقيقة، فيعطونها ما ليس لها من
الحدود والصفات والمميزات التي لا تعتبر في نظر علماء الاجتماع إلا حيلا
سياسية لاستعباد الأقوام الصغيرة وتعضيد القوة الحاكمة، وهي تظهر بأشد
مظاهرها في البلاد التي تقوى الروح الوطنية فيها، وتصبح خطرا على البلاد
المجاورة، وحيث الرغائب والأميال والحذر من المستقبل والاستنكار من تقدم
الأمم الأخرى وتفوقها والانفعال من خسارة بعض الامتيازات تحول الأذهان عن
فهم الحقيقة، وتميل بها إلى تفسير القضايا الاجتماعية تفسيرا يوافق تلك
الرغائب والأميال. نرى ذلك في فرنسا التي خسرت سيادتها في أوربا بعد وحدة
ألمانيا ووحدة إيطاليا، وفي النمسا حيث تطالب الشعوب المظلومة بحقوقها،
فإذا خلا الذهن من تلك الأكدار حسب الروح الوطنية ظاهرة من الظواهر الطبيعية
تؤثر في الفرد كما تؤثر في العموم ولها حد من النمو لا يمكن توقيفه أو منعه كما أنه
لا يمكن توقيف المد والجزر أو منع حرارة الشمس في إبان الحر. على أن من
الضلال الفاضح أن يكون أساس الجنسية الأساس الذي وضعته السلطات الحاكمة
وتحاول أن ترسخ في الأذهان أن أقل جنوح عن نظامها يفقد الإنسان جنسيته ويجعله
شريدا طريدا في مجاهل الإنسانية.
فما هو أساس الجنسية؟ وما هي علامتها المميزة؟
إذا رجعنا إلى الأنثروبولوجيا وهو العلم الوحيد الذي يرجى منه حل المسألة لم
نجد فيه ما يفي بالغاية؛ لأن علماء الأنثروبولوجيا فريقان الواحد يقول بتعدد أصول
الإنسان والآخر يقول بوحدة الأصل، فالقائلون بالتعدد يزعمون أن الأسباب التي
ساعدت على ظهور الإنسان في بقعة من الأرض ساعد مثلها على ظهوره في بقعة
أخرى، وأن ما بين الأنسال البشرية من الاختلافات الجوهرية كاختلاف اللون
والصفات والتركيب مسبب عن اختلاف الأصول وليس عن تحول الصورة الأصلية
وتطبيق الحياة على الأحوال المحلية، فهذا الرأي لا يحل المسألة حلا شافيا عدا
عن أنه لا يخلو من النقد ولم يتفق عليه علماء الأنثروبولوجيا، أما الفريق الثاني
فيقول: إن التغييرات التي تحصل في النسل الواحد بفعل الأحوال المحيطة وتأثير