…
…
أمهاتهم لم يعفوا
عنهن؟ قال: وكيف تقدم مثل هؤلاء، قال: لست أجد غيرهم؛ ولكن أحلني على
اللؤلؤي، وأبي إبراهيم، ومثل هؤلاء فإن أبوا جبرتهم بالسوط والسجن ثم لا
تسمع إلا خيرا.
إنكار القاضي على الخليفة، وإنصاف الناصر وقوة دينه:
ومن أخبار منذر بن سعيد المحفوظة مع الخليفة عبد الرحمن في إنكاره عليه
الإسراف في البناء - أن عبد الرحمن كان قد اتخذ إلى السطح العتبة الصغرى التي
كانت مائلة إلى الصرح الممرد المعروف بقصر الزهراء المشهور بأن له قرامد
ذهب، وفضة أنفق عليها مالا جسيما، وجعل سقفها صفراء فاقعة، إلى بيضاء
ناصعة، تسلب الأبصار بمطارح أنوارها المشعشعة، وجعل فيها إثر إتمامها لأهل
مملكته مشهدا، فقال لقرابته ومن حضره من الوزراء وأهل الخدمة مفتخرا عليهم
بما صنعه من ذلك مع ما يتصل به من البدائع الفتانة: هل رأيتم قبلي أو سمعتم من
فعل مثل فعلي هذا أو قدر عليه؟ فقالوا: لا والله يا أمير المؤمنين، إنك لأوحد في
شأنك كله، ولا سبقك في مبتدعاتك هذه ملك رأيناه، ولا انتهى إلينا خبره، فأبهجه
قولهم.
وبينا هو كذلك سار ضاحك إذ دخل عليه القاضي منذر بن سعيد واجما ناكسا
ذقنه، فلما أخذ محله قال له كالذي قال لوزرائه من ذكر السقف واقتداره على إبداعه،
فجرت دموع القاضي تنحدر على لحيته، وقال: والله يا أمير المؤمنين ما ظننت
أن الشيطان - أخزاه الله - يبلغ بك هذا المبلغ، ولا أن تمكنه من قيادك هذا
التمكين، مع ما آتاك الله، وفضلك على العالمين، حتى أنزلك منازل الكافرين! !
قال: فاقشعر عبد الرحمن من قوله، وقال: انظر ما تقول كيف أنزلني منازلهم؟
قال: نعم أليس الله تبارك وتعالى يقول {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا
لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم أبوابا
وسررا عليها يتكئون} (الزخرف: 33-34) قال: فوجم الخليفة، ونكس رأسه
مليا، ودموعه تجري على لحيته خشوعا لله تبارك، وندما إليه، ثم أقبل على منذر،
وقال له: جزاك الله تعالى يا قاضي خيرا عنا، وعن المسلمين والدين، وكثر في
الناس أمثالك، فالذي قلت هو والله الحق وقام من مجلسه ذلك وهو يستغفر الله
تعالى، وأمر بنقض سقف القبة وأعاد قرامدها ترابا. اه.
-----------------
<span class="footnote">
(1) كذا وربما كان الأصل " كم توانى ".
(2) يعلم من هذا أن عادتهم في الاحتفالات كعادة أهل هذا الزمان في الخطابة، وكان منظم هذا الاحتفال الحكم ولي عهد الخليفة.
(3) فيه أن وحدة الأمة ما كانت تمنع في ذلك الزمن تقديم الغريب عن البلاد عن أمثاله من أهلها إذا كان أهلا، وإن كان تابعا لحكومة أخرى، ولا يكون مثل هذا في مصر الآن، لأن التعصب للبلاد أضعف وحدة الأمة.
(4) لعل الأصل: وتقدس بصفاته.
(5) لعل الأصل: أحسن ما شاء.
(6) لعل الأصل: ووصل الكلام.
(7) إنما لم يقل وأنت أرحم الراحمين مع كونه المناسب لمقام الاستسقاء، لأن مراده أتعذب الرعية بذنبي إذ أنا حاكمهم، وأنت الحاكم علي وعليهم، لو شئت أن تعاقبني على ذنوبي فيهم لفعلت، وإذ عاملتني بالرحمة والفضل فالرعية أولى بذلك، هذا مراده قطعا.
(8) الممطر: الثوب الذي يتقى به المطر.
(9) الضعف كأن تكون الدار متداعية.
(10) الغبطة تتحقق بما فيه مصلحة الأيتام، وهو الزيادة على ثمن المثل.
(11) يريد أن الذي قوم الدار للخليفة حاباه، وهو يتوهم أنه قومها بما تساوي، مع أن ثمن أنقاضها وحده قد زاد على ذلك، وهو يريد أكثر مما تساوي لمصلحة الأيتام.
(12) لعل اصله: وأمامه خدمه إلخ، والخرائط: أوعية من الجلد، أو غيره لها عرى تشد، وتربط على ما يوضع فيه من المتاع، واحدها خريطة.
(13) أي كانوا يتقدمون الناس فلا يركب ولا يمشي معهم أحد مساويا لهم.
(14) الهوجل: الأنجر الثقيل الذي ترسى به السفينة، وفي العبارة من حسن الاستعارة، ونزاهة التعريض ما ترى، هذا وقد خجل منه الحاجب، وغضب حتى أنه لم يملك لسانه أن سب القاضي والأشراف على مسمع من الخليفة! وناهيك بهذا برهانا على نزاهة حاشية الخليفة، وبعدهم عن المجون والخلاعة، وعلى دقة ذلك الأعجمي الأصل في فهم اللغة العربية.</span></span>