ومز37 وأمثال 11: 8 و21: 18) .
ولما كان المساء جاء رجل يسمى يوسف فأخذ بجسد المصلوب ووضعه
في قبر جديد وقريب ودحرج عليه حجرا وكان هذا الرجل يؤمن بالمسيح ولكن
سرا (يو 19: 38) ومن ذلك يعلم أنه ما كان يعرف المسيح معرفة جيدة
تمكنه من اكتشاف الحقيقة وخصوصا بعد الموت، فإن هيئة الميت تختلف قليلا
عما كانت وقت الحياة لا سيما بعد عذاب الصلب، وروى الإنجيل الرابع وحده
أن رجلا آخر يدعى نيقوديموس ساعد يوسف في الدفن أيضا (19: 39)
وكان هذا الرجل عرف يسوع من قبل وقابله مرة واحدة في الليل (يو 3:
1-13
) فمعرفته به قليلة جدا وكانت ليلا منذ ثلاث سنين تقريبا أي في أوائل
نبوته، وفي كتب الطب الشرعي والمجلات الطبية عدة حوادث خدع فيها
الإخوان والأقارب بجثث موتى آخرين (راجع كتاب الطب الشرعي المذكور
صفحة 32 منه) فما بالك إذا لم يكن الشخصان الدافنان للمصلوب يعرفانه حق
المعرفة كما بينا.
لذلك اعتقد جمهور الناس وقتئذ أن المسيح صلب ومات ودفن فحزن
تلاميذه وأتباعه حزنا شديدا وفرحت اليهود وشمتوا بهم ولو أمكن التلاميذ
إحياءه من الموت لفعلوا ففكر منهم واحد أو اثنان في إزالة هذا الغم الذي حاق
بهم وما لحقهم من اليهود من الشماتة والاحتقار والذل فوجد أن أحسن طريقة
لإزالة كل ذلك ولإغاظة اليهود أن يسرق جثة المصلوب من القبر ويخفيها في
مكان آخر ليقال إنه قام من الأموات ولم تفلح اليهود في إعدامه إلا زمنا قليلا
وهكذا فعل وأخفى الجثة.
فلما مضى السبت الذي لا يحل فيه العمل لليهود جاءت مريم المجدلية إلى
القبر فجر يوم الأحد فلم تجد الجثة فدهشت وتعجبت وأسرعت إلى بطرس
(ويقول الإنجيل الرابع كما هي عادته: إلى يوحنا، أيضا) وأخبرتهما أن الجسد
فقد من القبر فذهبا معها ووجدا كلامها صحيحا فقالا: لا بد أنه قام من الموت،
وهذا القول هو أقرب تفسير يقال من تلاميذ المسيح المحبين له المؤمنين به
وربما كانا هما المخفين للجثة أو أحدهما (بطرس) ولذلك نجده في سفر
الأعمال وفي الرسائل يتكلم أكثر من يوحنا عن قيامة المسيح بل أكثر من
جميع التلاميذ الآخرين.
أما مريم المجدلية فمكثت تبكي لعدم وجود الجثة وعدم معرفتها الحقيقة
وكانت عصبية هستيرية، وبتعبيرهم: كان بها سبعة شياطين (مرقص 16-
9) فخيل لها أنها رأت المسيح ففرحت وأسرعت وأخبرت التلاميذ (يو 20:
18) أنها رأته وأما النساء الأخريات اللاتي ذهبن إلى القبر فلم يرينه كما يفهم
من أنجيل مرقص ولوقا، وغاية الأمر أنهن رأين القبر فارغا وبعض الكفن
الأبيض باقيا فخيل لبعضهن - وكلهن عصبيات - أن ملكا كان واقفا في القبر
وأمثال هذه التخيلات الخادعة كثيرة الحصول للناس وخصوصا للنساء عند
القبور وفي وقت الظلام (يو 20: 1) وما حادثة قيام المتبولي من قبره عند
عامة أهل القاهرة ببعيدة. ويجوز أنهن رأين رجلين من أتباع المسيح ممن لا
يعرفنهم وكانا هما السارقين للجثة ففزعن منهما وغشاهن حتى ظنن أنهما
ملكان بثياب بيض (انظر لو24: 4) فكثرت أحاديث هؤلاء النسوة كل منهن
عما رأته ومنها نشأت قصص الأناجيل في قيامة المسيح كما نشأت الحكايات
الكثيرة المتنوعة عن قيامة المتبولي في هذه الأيام في مصر [7] ولذلك اختلفت
قصة القيامة في الأناجيل اختلافا عجيبا يدل على أن كل كاتب أخذ ما كتب عما
حوله من الإشاعات والروايات المختلفة التي لم تكن وقتئذ مرتبة ولا منظمة.
ويظهر من هذه الأناجيل أن التلاميذ بعد ذلك صاروا محاطين بالوساوس
والأوهام من كل جانب حتى إنهم كانوا كلما لاقاهم شخص في الطريق واختلى
بهم أو أكل معهم ظنوه المسيح ولو لم يكن يشبهه في شيء ظنا منهم أن هيئته
تغيرت (مر16: 12 ولوقا 24: 16 ويو21: 4-7) فكانت حالهم أشبه
بحال العامة من سكان القاهرة الذين التفوا منذ زمن قريب حول رجل سائر في