تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جمادى الآخر - 1333ه

مايو - 1915م

الكاتب: أحمد كمال

-----------------

<span class="footnote">

اللغة العربية أقدم اللغات الشرقية

وأم المدنية المصرية والبابلية

كنا نستدل على عراقة العرب في المدنية بما روى لنا التاريخ القديم من

استعمارهم لمصر في عهد دولة الرعاة (الهكسوس) وغيرهم، واستعمارهم قبل

ذلك للعراقين، وما كان لنا في ذلك إلا علم إجمالي، ثم جاءنا علماء العاديات

(الآثار القديمة) بالاكتشافات والتحقيقات التي خرجنا بها من حيز العلم الإجمالي إلى

حيز العلم التفصيلي، وكان أعظم ما اكتشفوه في حفائر العراق شريعة حمورابي

(ملكي صادق) الموصوف في العهدين القديم والجديد بأنه ملك البر، وملك السلام،

وكاهن الله العلي، ومن أخبار سفر التكوين أنه بارك على إبراهيم - عليه الصلاة

والسلام - وعلى آله، وأن إبراهيم أعطاه العشور، وقد بين هؤلاء العلماء أن

شريعة حمورابي كانت عربية، وهي أقدم شريعة من الشرائع التي عرفها التاريخ،

وقد زعم بعض علماء الألمان أن التوارة مقتبسة منها (راجع المجلد السادس من

المنار) .

وقد نشرنا في المجلد الخامس عشر (سنة 1330) خطابا طويلا في اللغة

العربية لجبر أفندي ضومط أستاذ العلوم العربية في القسم العالي من المدرسة الكلية

الأمريكانية ببيروت ألقاه في الاحتفال السنوي لسنة 1911، ثم أتحفنا به،

وموضوعه (بحث تاريخي فلسفي في مواطن العربية المضرية، ونسبتها إلى

أخواتها من اللغات السامة) ، ومما جاء فيه أن العلامة رونسن المؤرخ الأثري

يرجح أن المدنية المصرية القديمة لم يكن منبتها مصر، بل جاءتها من العراق،

وبلاد العرب (المنار ص 116 م 15) ، وأن الباحثين اتفقوا على أن لغة

الآشوريين، وقدماء البابليين واحدة، وأن الآثار البابلية تثبت أن الناطقين باللغة

السامية هنالك لم يكونوا من أهل البلاد الأصليين، وإنما جاءوها من مكان آخر،

وتغلبوا على أهلها الذين كان لهم مدنية عظيمة إذ كانوا غزاة فاتحين، ثم ترجموا

الكثير من آداب أهل البلاد بلغتهم السامية، والظاهر أنهم كانوا من جزيرة العرب

(المنار ص 117 م 15) .

ثم بين أن اللغة العربية هي أم اللغات السامية وسيدتها، وأن أرومتها الأولى

كانت في اليمن، وحضرموت، وعمان، وأنه انشعب منها فرع إلى بلاد بابل

بالعراق فانقسم إلى شعبتين بدوية وحضرية، وأن بعض العمالقة والعاديين من

قدماء العرب هاجروا إلى سورية - بعضهم هاجر من العراق لما اضطهدهم النماردة،

وبعضهم هاجر من جزيرة العرب بقصد التجارة والاستعمار - كما هاجر غيرهم

من إخوانهم إلى شطوط أفريقية فكان منهم الأمهرية والحبشة - (قال جبر أفندي

ضومط) ومن هؤلاء المهاجرين كان العبرانيون، وأمم الشام من الكنعانيين

والفينيقيين، وعليه تكون العبرانية، والفينيقية، والعربية (أي المضرية) شعبتين

من الفرع العادي، والحمرية، والحبشية من الفرع القحطاني (المنار ص 199م

15) .

أقول: فعلى ما تقدم يكون كل من مدنية العراق وسورية ومصر عربي الأصل ثم تولد من ذلك الأصل فروع استقلت واختلفت باختلاف الدول والملل،

حتى جاءالإسلام فأرجع تلك الفروع كلها - ما قرب منها عن أصله وما بعد -

إلى الفرع المضري، فكأنه عمد إلى أفراد عشيرة كانوا متفرقين متباعدين يحسب

كل منهم أنه أجنبي عن الآخر فجمع بينهم، فعادوا إلى الوشيج الجامع فكانوا أسرة واحدة.

لكن علامة الآثار، والعاديات المصرية، وإمام اللغة الهيروغليفية في مصرنا

الآن أحمد بك كمال أمين دار الآثار المصرية أظهر لنا من الاتحاد بين اللغة العربية

واللغة المصرية القديمة ما لم يكن في الحسبان، فقد ألف قاموسا كبيرا أورد فيه

ألوفا من الكلمات الهيروغليفية الموافقة للغة المضرية في الغالب - إما موافقة تامة

وإما موافقة بضرب من التحريف، أو القلب، والإبدال المعهود مثله في اللغتين،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٩٧