تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإصلاح اللامركزي في البلاد العربية

واتفاق الترك مع العرب

نشرنا في منار شعبان صورة الاتفاق الذي عقد بين جمعية الاتحاد والترقي

وطلاب الإصلاح من العرب، وأقره المؤتمر العربي بباريس وأكدت الجمعية

العهود والمواثيق لتنفذنه الحكومة برمته. وقلنا: إنه لما وقع الخطأ من حزب

اللامركزية بنشره نشرت الجمعية بلاغا في أنديتها العربية يخالفه من عدة وجوه،

ثم إن طلعت بك عاقد ذلك الاتفاق بالنيابة عن الجمعية نشر بلاغا رسميا بصفته

ناظرا للداخلية بين فيه ما عزمت الحكومة عليه من الإصلاح، وهو بين بين، وفي

ذلك قرار مجلس الوكلاء، ثم نشرت إرادة السلطان السنية بتنفيذ ذلك، ونشرنا في

منار رمضان ترجمة بلاغ نظارة الداخلية، وترجمة الإرادة السنية، وكان قطب

الرحى في هذه الحركة الجديدة طلعت بك الرجل الفعال في الجمعية المدبرة للحكومة،

وفي الحكومة المنفذة لمقاصد الجمعية.

فرح المشتركون في هذه الحركة في الآستانة بهذه القرارات، وأقاموا في أثناء

نشرها المآدب والاحتفالات، فأكلوا وشربوا وأنشدوا وخطبوا، عظموا أمرها

وأكبروا، وهللوا لها وكبروا، وأرسلوا الكتب والبرقيات، إلى الأحزاب العربية

والجمعيات، في باريس ومصر وسورية والعراق، يستنطقون ألسنتها، وأقلامها

وصحفها بالشكر والثناء، على هذه النعم والآلاء، التي جاد بها على العرب

الاتحاديون الأسخياء، ويطلبون إرسال الوفود منها إلى العاصمة البيزنطية، لأداء

الشكر للحكومة والجمعية، والاشتراك في الاحتفالات والمآدب، والمطاعم

والمشارب، كان يرسل هذه البرقيات والرسائل عبد الكريم أفندي قاسم الخليل،

وعززه سليمان أفندي البستاني ناظر الزراعة والتجارة، ولكن منعت الرزانة

والبصيرة طلاب الإصلاح من إجابة الدعوة فما أجابها أحد، وإنما أرسل جماعة

المؤتمر الذي ينتظرون في باريس وعد جمعية الاتحاد بتنفيذ الاتفاق المعهود وفدا

منهم إلى الآستانة ليختبروا حال الحكومة بالمشافهة مع وزرائها ويكتبوا إليهم بذلك،

لا لأجل الشكر على نعمة لا تزال في حيز الوعد المضطرب.

كان أعضاء وفد باريس ثلاثة من مندوبي بيروت في المؤتمر وهم الشيخ أحمد

طباره وأحمد مختار أفندي بيهم، وسليم أفندي سلام، استقبلهم على البحر في

الآستانة سليمان أفندي البستاني الوزير العربي، وبعض زعماء جمعية الاتحاد

والترقي وجمهور طلبة العرب في مدارس الحكومة الذين يجمعهم المنتدى الأدبي،

وقد ذهبوا بهم إلى المنتدى الأدبي حيث ألقيت الخطب المناسبة للمقام، وأعدت لهم

جمعية الاتحاد مأدبة حافلة ألقيت عليها الخطب أيضا، ولقوا الصدر الأعظم وطلعت

بك ناظر الداخلية فواعدهم بتنفيذ الإصلاح المطلوب كله، وأكد الأخير لهم الوعد

مرارا وزاروا ولي العهد أيضا فأكرم وفادتهم. ثم قابلوا مولانا السلطان فرحب بهم

وهش لهم وأظهر لهم ارتياحه إلى إسعاد البلاد والأمة. وبين سليم أفندي سلام في

حضرته السامية إخلاص العرب لسلطانهم وتعلقهم بالخلافة وغيرتهم على الدولة،

ودعا الشيخ أحمد طباره دعاء مناسبا، وقد كان كلام كل منهم في كل اجتماع ومع

كل وزير ومكاتب جريدة موزونا بميزان الروية والاعتدال، ليس فيه شيء يشف

عن الغرور ولا الاغترار، ولا ينبئ بشيء من التملق ولا الدهان.

في أثناء هذه الحوادث والوقائع كان زعماء المقاومين للإصلاح في سورية

يتميزون غيظا؛ لأنهم رأوا أنهم سودوا وجوههم عند أمتهم؛ إرضاء للحكومة

والجمعية فكانت العاقبة أن ازدرتهم، وأجابت دعوة طلاب الإصلاح وكرمتهم،

فطفقوا يكتبون إلى مركز الجمعية العام في الآستانة يعظمون شأن أنفسهم، ويهونون

خطر طلاب الإصلاح وينالون منهم، ويزعمون أن زعامة الأمة العربية في أيديهم

لا في أيدي المصلحين، وأن الحكومة إذا نفذت ما اتفقت عليه مع المصلحين يزول

نفوذ الاتحاديين من بلاد العرب بتركهم إياها، فرأت الجمعية أن تأذن لهم بالمجيء

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٥٤