تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تفريط الاتحاديين بحقوق الدولة

في خليج فارس والعراق والطرف الشرقي من جزيرة العرب

والتزلف بذلك إلى إنكلترة

إن خليج فارس وشط العرب وبلاد العراق وما يتصل بها من البلاد العربية

خير للدولة العثمانية من الآستانة وما يتصل بها من البلاد الأوربية، ولكن رجال

الدولة وجمهور المتعلمين منهم في مدارس الآستانة مفتونون بعظمة القسطنطينية

ومقامها التاريخي وموقعها الجغرافي ويعدون دولتهم ما دامت هنالك دولة أوربية،

وإن لم يجنوا من هذا الموقع، وهذه النسبة إلا النكال والوبال، والسلاسل

والأغلال، بل فقد الاستقلال وهم مع كل ما أصابهم من الشقاء والخسار في فتح هذه

البلاد الأوربية، ثم في ترك معظمها لا يزالون يعدون بقاءهم في قطعة أرض منها

على شفا من طرف مملكتهم علوا وعظمة، وإن كان على حد المثل العامي: علو

ولو على خازوق.

ولو عمرت الدولة تلك البلاد لكان لها منها ثروة تغنيها عن أوربة وتجعلها

دولة آسيوية قوية عزيزة كاليابان بل أهم من اليابان؛ لأنها القلب الذي يصل

الشرق بالغرب.

من المعلوم بالضرورة من السياسة الأوربية الحاضرة أن الدول الكبرى انفرقن

إلى فريقين عظيمين؛ بتنازع إنكلترة وألمانية الأولوية في سيادة العالم، وما أظهر

هذا التنافس والتنازع بينهما إلا سكة حديد بغداد: التي منحتها الدولة العثمانية

للألمانيين، فأقامت بذلك قيامة إنكلترة عليهما وحملتها على موالاة الروسية

ومواتاتها على ما تريد من العثمانية ومن إيران، على معارضتها في إيصال

الألمانيين سكتهم إلى شط العرب أو خليج فارس، فهذا الموقع العثماني العظيم الذي

غير سياسة العالم القديم، وجر على العثمانية والإيرانية الرجز الأليم، لا قيمة له

في نفس ساسة الآستانة، حتى كان من هوانه عليهم ما عهدت به جمعية الاتحاد

والترقي إلى مندوبها حقي باشا الذي أعطته إضاعة طرابلس الغرب مهارة عملية،

في إضاعة الممالك العربية، وذلك أنها أرسلته إلى أوربة ليستميل إليها الدول بما

يبذله لهن من المصالح والحقوق في البلاد العربية العثمانية، تحقيقا لقول من قال

منهم لبعض أبناء العرب في الآستانة: إنا نبيعكم ونرقي أنفسنا بثمنكم.

بدأ حقي باشا الماهر بأن بذل لإنكلترة منتهى ما تسعى إليه إنكلترة من زمن

طويل في شرق البلاد العربية، بذل لها حقوق الدولة في شط العرب وخليج فارس

وشرقي الجزيرة العربية، وهي تعمل عملها وتمد نفوذها في غربيها وجنوبيها

لتحيط بها من جميع أطرافها، ووالله إنه لو بذل لها الآستانة وما بقي للدولة في

أوربة كله واستبقى ما بذل، لما كان إلا باذلا الذي هو أدنى ومستبقيا الذي هو خير.

وإننا قبل بيان ذلك ننشر نبذة لجريدة التيمس من مكاتبها في الآستانة عن مصالح

إنكلترة في البلاد العربية وهي:

كلام التيمس في حقوق إنكلترة في بلاد العرب:

إن اهتمام إنكلترة بما يحدث في البلاد العربية لهو أعظم أهمية مما يتصوره

الناس، فقد استولينا على عدن ولنا حق الحماية على كثير من الزعماء والقبائل في

الداخلية فضلا عن سلطتنا على أمير عظيم الشأن وهو سلطان لحج ولنا فوق ذلك

نفوذ الحماية على ساحل البلاد العربية الجنوبي إلى عمان ومصالحنا أعظم من

مصالح سوانا وهي مؤيدة بالمعاهدات.

ثم إن زعماء العربان في ساحل القرصان على الخليج العجمي هم تحت

حمايتنا، وتوجد علاقات خاصة بيننا وبين شيخ الكويت وهو عامل عظيم في

سياسة الأعراب، وبذلك نجد أن نصف السواحل العربية كائن فعلا ومباشرة تحت

نفوذ إنكلترة؛ ولذلك قد تكون الأحوال هناك أحيانا ذات أهمية خاصة لإنكلترة.

أما عدن بالذات فإنها الآن في شغل داخلي شاغل فقد أدخل فيها مشروع جديد

للضرائب، والغاية منه سد نفقات تحسين المياه، ومنع ذوي السوابق من الدخول

إليها.

هذا المشروع قد أحدث شيئا من الانقسام والخلاف، وهناك مشروع آخر تحت

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٢٨