... نظرة في الجزء الثاني من كتاب
تاريخ آداب اللغة العربية [*]
(2)
الخطأ في النقل
قد أخطأ المؤلف في نقل عبارات المؤلفين إما بتصرفه فيها تصرفا أفسد
معناها، وإما بتحريف الكلم، وإما بنقلها عن نسخة محرفة من غير تمحيص
لها، فمن ذلك:
(1) قوله في ترجمة سلم الخاسر: هو سلم (ويقال سالم) ابن عمرو،
أحد موالي أبي بكر الصديق.
فسالم الخاسر هو (سلم) بفتح السين وسكون اللام، فمن أين جاء
للمؤلف أن يقال في اسمه: سالم أيضا، وليس سلم مجهولا حتى يشتبه في
اسمه.
منشأ هذا التحريف الذي وقع فيه المؤلف أن نسخة تاريخ ابن خلكان
المطبوعة كتب فيها (سلم) بألف توهما من الناسخ الأصلي أن الألف محذوفة
كما تحذف في (القسم والحرث) فأثبتها وطبعت النسخة على هذه الصورة
خطأ، وفي نسخة ابن خلكان هذه ذكر اسم (سلم) منظوما في الشعر في قول
أبي العتاهية له:
تعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذل الحرص أعناق الرجال
ونحن لا نشك أن المؤلف قرأ ترجمة (سلم) في (الأغاني) وفيها وقع
اسمه منظوما في غير موضع، فمن ذلك قول أبي العتاهية:
إنما الفضل لسلم وحده ... ليس فيه لسوى سلم درك
وله فيه وقد حبس إبراهيم الموصلي:
سلم يا سلم ليس دونك سر ... حبس الموصلي فالعيش مر
وقول أبي محمد اليزيدي فيه:
عق سلم أمه صغرا ... وأبا سلم على كبره
ومن هجاء أبي الشمقمق فيه:
* يا أم سلم هداك الله زورينا *
وقول مروان بن أبي حفصة فيه:
أسلم بن عمر وقد تعاطيت غاية ... تقصر عنها بعد طول عنائكا
وقول أشجع السلمي يرثيه:
يا سلم إن أصبحت في حفرة ... موسدا تربا وأحجارا
فرب بيت حسن قلته ... خلفته في الناس سيارا
فهو عند هؤلاء الشعراء المعاصرين له اسمه (سلم) فحسب، ويجوز
عند مؤلفنا وناسخ ابن خلكان أن يسمى (سالما) أيضا، فليختر القارئ لنفسه ما
يحلو.
(2) ومن خطئه في النقل قسمه اسم رجل واحد على مسميين، فذكر
في ترجمة الصولي (ص175) أن له كتابا اسمه الأوراق وهو في دار
الكتب الخديوية، وذكر ممن ترجم له هذا الكتاب أحمد بن يوسف بن صبيح،
فقال: (وأحمد بن يوسف وزير المأمون وآله، وابن صبيح كاتب دولة بني
العباس، وتوقيعات أحمد المذكور وكلامه فضلا عن أشعاره) .
والحقيقة أن الثاني هو عين الأول، ومن يراجع الكتاب يعرف ذلك.
وهو أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح، ويتبين هذا أيضا من خلال كلام
مؤلفنا؛ إذ ذكر أحمد ثم ابن صبيح ثم قفى بذكر توقيعات أحمد ورسائله
وشعره.
فلو كان ابن صبيح غير أحمد، فما الداعي لفصل توقيعات أحمد عن
ترجمته؟
ولو فرضنا أن المؤلف يريد بابن صبيح جده القاسم، فذلك لم يكن كاتب
دولة بني العباس، بل كان يكتب لبني أمية وللمنصور في بدء خلافته، ولم
تطل أيامه، وليس هناك في الكتابة، وإنما ذكره الصولي مع من ذكره من آل
أحمد بن يوسف.
(3) ومن خطئه في النقل بتصرفه في عبارة المؤلفين قوله في ترجمة
ابن الرومي صفحة 158:
(اشتهر بالتوليد في الشعر؛ لأنه أتى بكثير من المعاني لم يسبق إليها،
ومن مميزاته أنه لا يترك المعنى حتى يستوفيه، ويمثله للقارئ تمثيلا) .
ومن عبارة المؤلفين في ذلك ما قاله صاحب معاهد التنصيص:
(هو أبو الحسن.. . صاحب النظم العجيب، والتوليد الغريب يغوص
على المعاني النادرة فيستخرجها من مكانها ويبرزها في أحسن قالب، وكان إذا
أخذ المعنى لا يزال يستقصي فيه حتى لا يدع فيه فضلة ولا بقية) .
وقال ابن خلكان: (صاحب النظم العجيب والتوليد الغريب، يغوص على
المعاني النادرة فيستخرجها من مكانها، ويبرزها في أحسن صورة، ولا يترك
المعنى حتى يستوفيه إلى آخره، ولا يبقي فيه بقية) .
فترى أن عبارة ابن خلكان أجود في تصوير الشاعر، وعنه نقل صاحب
معاهد التنصيص مع تغيير قليل.
فرأى مؤلفنا أن ينقل عنهما بتغيير آخر، ولكن تغييره شذ عن مرادهما
فهما يقصدان بقولهما: (صاحب التوليد الغريب) أنه إذا استنبط معنى من