تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33-35

) فالمتكلم الحقيقي في كل هذه الآيات هو الله تعالى كما هو ظاهر من

آخرها، والملائكة إنما يرددون هذه العبارات لتبليغها إلى لوط بالنيابة عن الله تعالى،

فافهم ذلك، ولا تكن من الجاهلين.

***

الجن

هذا اللفظ مشتق من مادة الجيم والنون، وهذه المادة تفيد معنى الستر، ومن

ذلك قوله تعالى: ﴿فلما جن عليه الليل﴾ (الأنعام: 76) أي ستره، وأجن

الشيء في صدره أي أكنه، والجنين:المخلوق ما دام في البطن، والجنة:السترة،

والجنان القلب لاستتاره، واستجن أي استتر بستره، والمجن الترس، وكلها تفيد

معنى الخفاء والاستتار، فلفظ الجن يطلق أيضا على الميكروبات لاستتارها، فهي

ملائكة مرسلة من الله، ومستترة عن أعين البشر.

ومن ذلك حديث (الطاعون وخز أعدائكم من الجن) وفيه إشعار بأن للإنسان

أعداء من غير الجن، وهو صحيح.

ونقول في خلقها إننا إذا لاحظنا أن الميكروبات نباتات، والنباتات سابقة

لجميع الحيوانات، فهي مخلوقة من الأرض بعد أن أخذت في البرودة.

وإذا لاحظنا أن القرآن الشريف نص على أن الله تعالى جعل من الماء كل

شيء حي، أمكننا أن نقول إنها خلقت باتحاد بعض العناصر مع الماء أو بخاره في

وقت كانت الأرض فيه شديدة الحرارة , أو آخذة في البرودة.

ولا يخفى على المطلعين على العلوم الطبيعية أن الراجح أن الأرض كانت

شعلة من النار مشتقة من الشمس، فإذا قلنا: إن هذه النباتات هي أول ما كون من

الأحياء في الأرض فهمنا معنى أنها مخلوقة من النار، إذ ليس معنى هذا الخلق أنها

خلقت مباشرة منها، بل خلقت أطوارا، كما أن الإنسان لم يخلق مباشرة من التراب،

بل خلق منه طورا بعد طور، فالحق أن جميع الأحياء مخلوقة من الأرض ,

والأرض مخلوقة من النار، ولما كانت النباتات أول المخلوقات كانت أسبق منا إلى

طور النار، وأقرب بها عهدا منا، على أنه ليس المراد بكون الميكروبات أو

غيرها من الجن أن كل ما يسمى جنا مخلوق من مادة واحدة، بل معناه أن كل ذلك

من العوالم الخفية المجتنة.

***

العدوى

قبل الكلام في هذا الموضوع يجب أن نذكر ما ورد من الأحاديث المثبتة

للعدوى والنافية لها، ثم نجمع بينهما بما يفتح الله به علينا.

فمن الأحاديث المثبتة للعدوى: (قوله صلى الله عليه وسلم) : (كلم المجذوم

وبينك وبينه قدر رمح أو رمحين) [6] وقوله (صلى الله عليه وسلم) : (إن كان

شيء من الداء يعدي فهو هذا) يعني الجذام (وقوله صلى الله عليه وسلم) :

(اتقوا المجذوم كما يتقى الأسد) وقوله (صلى الله عليه وسلم) لرجل مجذوم كان

في وفد ثقيف: (ارجع فقد بايعناك) وقوله (صلى الله عليه وسلم) : (إذا سمعتم

بالطاعون بأرض فلا تخرجوا منها فرارا منه) وهذا الحديث يصح أن يعتبر مبدأ

يجري عليه الناس في مسألة الحجر المسمى باللاتينية (Quarantine) ومعناه

الأصلي (أربعون) لأن السفن الآتية من البلاد الموبوءة كانت تمنع من الاقتراب

من شاطئ البلاد السليمة مدة أربعين يوما، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يريد

بهذا الحديث أن يعمل المسلمون أيضا مثل هذا الحجر على البلاد الموبوءة، فلا

يدخلوا فيها لئلا يصابوا، ولا يخرج الناس منها لئلا ينشروا العدوى بين الآخرين.

وورد أن أبا عبيدة قال لعمر حينما خاف من طاعون الشام: أفرارا من قدر

الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم فرارا من قدر الله إلى قدر الله،

وورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يوردن ممرض على مصح)

وفي لفظ (لا يوردن ذو عاهة على مصح) .

ومن الأحاديث النافية للعدوى: - قوله (صلى الله عليه وسلم) : (لا يعدي

شيء شيئا فمن أجرب الأول؟ لا عدوى ولا صفر، خلق الله كل نفس فكتب حياتها،

ورزقها، ومصائبها) ، وفي حديث آخر (فمن أعدى الأول؟) وقوله - صلى

الله عليه وسلم - (لا عدوى ولا هامة، ولا صفر، ولا يحل الممرض على

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٢٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٢٢٢