فرنسا الإسلامية
جاء في جريدة (المفيد) المفيدة تحت هذا العنوان ما يأتي:
أثبتنا منذ أيام في صدر هذه الجريدة تعريب مقالة للطان أنبت فيها حكومتها
على إدارتها الجائرة في المستعمرات الإفريقية ثم عثرنا اليوم على العدد الأول من
جريدة فرنساوية صدرت حديثا في باريس عنوانها فرنسا الإسلامية، ومديرها المسيو
بول بروزون، غايتها البحث في إفريقية الفرنساوية، وحض حكومة الجمهورية
على تبديل شكل إدارتها في هذه البلاد؛ لأجل استرضاء أهلها، والاستيثاق
من مودتهم، وجميع ما تقدم يدل دلالة واضحة على أن أكثر المفكرين من أمة
الفرنسيين يرون أن استمرار فرنسا على إنفاذ الخطة الإدارية المعتادة في إفريقية
الشمالية، أمر يضر بسياستها أعظم الضرر فضلا عن كونه لا يتفق مع مبادئ دولة
اشتهرت بأنها مهد الحرية.
وإذا كان يهم القراء جدا أن يعرفوا ما تقول جريدة فرنسا الإسلامية ولا سيما
في عددها الأول، فقد بادرنا إلى تعريب افتتاحيته وهي الآتية:
إن عنوان هذه الجريدة يفيد خلاصة كل آرائنا ويعرف بدون إشكال المقصد
الذي ندعي أننا نتبعه. وإن هذا العنوان بمثابة ضمانة للنصح المتبادل، وبمثابة
صورة للارتباط، ثم على التقريب بمثابة رمز للاتفاق، بين شعبين كانا في الأمس
متناكرين متعاديين، ولكن قضت المقادير بأن يدنو أحدهما من الآخر ليسيرا غدا في
طريق مشترك. وإنه يبين أننا المجاهدون المقتنعون بفائدة سياسة الاتفاق، بأكثر
مما يمكن تبيينه بالإرشادات الطويلة.
لا مشاحة في أن فرنسا بفتوحاتها الإفريقية قد اكتسبت حقوقا، ولكن لا مشاحة
أيضا في أنها بالفتوحات المذكورة أصبحت مسئولة عن واجبات مقدسة، بإزاء
الذين وضعتهم تحت سيطرتها، وهي لا تستطيع إنكار ذلك.
إن مستقبل هذه الامبراطورية الإسلامية الواسعة متوقف جميعه على الصورة التي
تعرف بها فرنسة أن تطابق بين هذه الحقوق، وهذه الواجبات.
إن هذه الامبراطورية التي اكتملت اليوم باحتلال مراكش تشتمل على عدد من
السكان يمكن تقديره بدون مبالغة زهاء عشرين مليون نسمة، وكلهم يجمعهم دين
واحد، ولهم احترام شديد لتقاليدهم القديمة المتشابهة، وهذا ما يجده كل إنسان
مشروعا لهم، فعلى أية طريقة يناسب فرنسة أن تسلك بإزاء هذا الجمهور القلق
الأفكار الذي يرمقها بنظرات مملوءة من الرجاء، ومملوءة من الوجل أيضا؟ هل
يبدو لها أن تسحقه بتوحش، وتدفعه نحو الصحراء؟ هل يبدو لها أن تحكم عليه
بالنفي؟ هل يبدو لها أن تستعبده استعبادا شاقا؟ كل ذلك من المناهج الجرمانية التي
لا يستطاع تأليفها مع مزية فرنسا الشريفة الفائقة في العدالة والرقة.
كيف هذه الأمة الكريمة - التي لم يكن المظلومون يستنجدونها عبثا - ترضى
بأن تتحمل مسئولية ثقيلة مثل مسئولية بولونية، وفنلدنة والإلزاس واللورين؟
هل يتسنى لها أن تنكر أعمالها، والعبارات الجميلة التي كتبتها بدماء شهدائها في
الصفحات الأولى من دستورها؟ كيف تجسر على أن تصادم الأحكام التاريخية،
حين ترتكب هي نفسها شتم الكلمات الثلاث البديعة أي: (حرية، مساواة، إخاء)
التي خطتها في ضميرها النقي، وعلى عتبات جميع هياكلها وقصورها؟ ومع ذلك
فإنه عدا كل مسألة شعورية، فإن مصلحتها عينها تستدعي منها أن تتخذ لها موقفا
غير هذا. إنها إذا كانت في حكمها بمنزلة الأم الظالمة، فإنها تثير عليها في وسط
حوزتها كثيرا من الأضغان ذات الخطر. وبالعكس إنها بالعدل والرفق وبإجراء ما
يستلزم عرفان الجميل تزيد قابلية النجاح في عملها العائد إلى نشر المدنية.
إن الاعتماد على القوة وقت مزاولة الفتح هو لازم لسوء الحظ، فما دامت
البلاد الخاضعة في ثورة مستترة، وما دامت غير خالية من الهرج بالكلية، فإن
استعمال الطرق القسرية مما يجوز فيه قبول العذر؛ ولذلك لا نجادل في التدابير
الاستثنائية التي ظنوا أنه كان يجب العمل بها في الجزائر حين كان الشعب بتمامه