جبريل أقوى الأسباب، فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، ودر معها حيث
دارت ناظرا إلى من أزمتها بيديه، والتفت إليها التفات العبد المأمور إلى تنفيذ ما
أمر به والتحديق نحوه، وارعها حق رعايتها، ولا تغب عنها، ولا تفن عنها، بل
انظر إليها وهي في رتبتها التي أنزلها الله إياها، واعلم أن غيبتك بمسببها عنها
نقص في عبوديتك، بل الكمال أن تشهد المعبود، وتشهد قيامك بعبوديته، وتشهد
أن قيامك به لا بك، ومنه لا منك، وبحوله وقوته لا بحولك وقوتك، ومتى خرجت
عن ذلك وقعت في انحرافين لا بد لك من أحدهما: إما أن تغيب بها عن المقصود
لذاته لضعف نظرك وغفلتك وقصور علمك ومعرفتك، وإما أن تغيب بالمقصود
عنها بحيث لا تلتفت إليها، والكمال أن يسلمك الله من الانحرافين؛ فتبقى عبدا
ملاحظا للعبودية ناظرا إلى المعبود، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا
قوة إلا بالله.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
حرب أمم المدنية لا الملل الدينية
تسمي الجرائد العربية والأوربية هذه الحرب المشتعلة في أوربة حرب الأمم،
ولا نرى لها مخالفا في صحة هذه التسمية، فقد أجمع الناس على أن جميع الأمم
الأوربية المتحاربة موافقة لدولها على الاستمرار على هذه الحرب إلى أن يفنى آخر
رجل يقدر على استعمال السلاح فيها، وينفق آخر دينار في صناديقها، أو تقهر
عدوها قهرا يخضع به لحكمها، ويذعن صاغرا لشروط الصلح التي تضعها
حكومتها، وينقلون لنا أن النساء موافقات للرجال في هذا الأمر، وأن القسيسين
والرهبان والاشتراكيين أيضا متفقون فيه مع رجال الحرب، إلا ما تنقله الجرائد آنا
بعد آن عن بعض النساء والاشتراكيين في ألمانية من الرغبة في عقد الصلح كراهة
للحرب، وأطيطا من أوزارها، وأنينا من أهوالها وسوء آثارها، ولعل هذا من
قبيل ما كانت تنقله في أول الحرب من كراهة الشعب الألماني كله لها ورغبته عنها،
وكون عاهله هو الذي ساقه إليها سوقا، بل دعه إليها دعا، وكنا أول من خالفهم
في ذلك.
على أن المعقول الذي لا يعقل غيره هو أنه يوجد في كل أمة محاربة كثير
حتى من أهل الرأي يكرهون الحرب لذاتها، ويتمنون الصلح على علاته،
والمعقول أن يكون أكثر هؤلاء الناس من أفراد الحكماء الراسخين، ومن النساء
والاشتراكيين، ومن المتدينين الذين يفهمون أن الديانة المسيحية ديانة سلم وتواضع
وزهد في المال والجاه والرياسة والملك - وما أكثر المنتمين إليها على هذا الفهم -
فحيث يكثر هؤلاء يكثر الميل إلى الصلح، والجنوح إلى السلم، وإن لم تعن
الجرائد بنقل أخبار هؤلاء في بلادها وبلاد أحلافها، لئلا يغتر أعداؤها ويظنون أن
أممهم غير متفقة على تأييد حكوماتها، وهي إنما تنقل عن شعوب أعدائها الميل إلى
الصلح في سياق ذمها بالعجز والضعف، لا في سياق مدحها بكراهة القسوة
والوحشية والإفساد في الأرض، واستقباح الطمع المفضي إلى إهلاك الحرث
والنسل؛ ولذلك كانت تقول في أول الحرب: إن الشعوب الجرمانية كارهة له مكرهة
عليه، ويوشك أن تخرج على حكومتها وتثور عليها، ثم رجعوا عن ذلك،
ووصفوها بضده، فالجرائد السياسية لا تكتب إلا ما يمليه عليها الهوى، فهي تابعة
لمهاب أهوائه تميل معها كيفما أمالتها.
إلا أنها صادقة في قولها إن السواد الأعظم من الأمم الأوروبية مؤيد لدولها
بمالها ورجالها وإجماعها على الاستمرار في الحرب، إلى أن تنال ما ترجو من
النصر، وتكون كلمتها هي العليا، وكلمة أعدائها هي السفلى؛ فإن من يوجد في كل
منها من محبي السلم بباعث الدين، أو حب الإنسانية والميل إلى التواضع والقناعة
مغلوبون على أمرهم، ووجودهم لا ينافي ما أجمع عليه الكتاب من أن هذه الحرب