تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشيخ شبلي النعماني

كان الشيخ شبلي النعماني - رحمه الله وأدام النفع به - ركنا من أركان نهضة

الإصلاح الإسلامي في الهند.

ورجال هذا الإصلاح في كل الأقطار الإسلامية أمة وسط بين فريق الجامدين

على التقاليد والعادات، التي انتهى إليها أمر جمهور المسلمين بعد فتك التفرق

الديني والسياسي بهم، وانتشار البدع والخرافات فيهم، وإضاعة جل ما ترك سلفهم

من العلم والمجد التليد، وإعراضهم عن العلم الحديث والمجد الطريف، وبين فريق

المتفرنجين الذين أصابوا حظا من اللغات الأجنبية، وتلقوا قليلا من العلوم والفنون

الأوربية، فأحدث لهم ذلك غرورا بأنفسهم، واحتقارا لأمر أمتهم، فطفقوا يمرقون

منها بزلزال عقائدهم وأفكارهم، وتغيير عاداتهم وأزيائهم، فوهت فيهم جميع

مقوماتها، ولم يندغموا في أمة من الأمم التي يقلدونها، على أن منهم من يحسبون

أنه يمكن جعل أمتهم كلها، مثلهم أو مثلها.

المباينة بين الجامدين والمتفرنجين عظيمة، كل منهم يحتقر الآخر ويكرهه،

ويعده علة لضعف الأمة وانحطاطها، أولئك يرمون هؤلاء بالكفر والفسوق،

وينفرون وينفرون منهم ر ومن هذه العلوم والفنون، ويعدونهم آلات الأجانب التي

يحللون بها عناصر الأمة ويستعملونها كما يستعملون عناصر الأرض في تنمية

ثروتهم، وإعلاء كلمتهم، واستعمار البلاد وجعلها تحت سلطتهم - وهؤلاء يرمون

أولئك بالتعصب والجهل، والخرافات والهمجية، التي يجب نسفها لإقامة بناء

الحضارة والمدنية، والحق أن كلا منهما مخطئ في شيء، ومصيب في شيء آخر،

وله مزايا حسنة، ورزايا ضارة، وأن الأمة لو سارت على رأي كل منهما وحده

لم تكن عاقبتها إلا الانحلال والهلاك.

وأما حزب الإصلاح، فهو وحده محل الرجاء؛ لأنه يقدر مزية كل من

الحزبين قدرها، ويعرف منافعه ومضاره، ويريد أن يكون معقد الارتباط والاتصال

بينهما بإرجاع كل منهما عن خطئه، والسير بالأمة في طريق تحفظ به مقوماتها

ومشخصاتها، وتعيد الموروث النافع منها إلى جدته، وتندرج في استبدال النافع

بالضار منه، وتقتبس من علوم العصر وفنونه وصناعاته ما لا تقوم لأمة قائمة في

هذا العصر بدونه، وليس هذا المقام مقام شرح الإصلاح، ولا بيان أحوال

الأحزاب الثلاثة، وإنما ذكرنا هذا لبيان مرادنا من قولنا إن فقيد الإسلام في الهند

كان ركنا من الإصلاح الإسلامي.

ولم يكن طلاب الإصلاح إلا أفرادا من الناشئين في بيت حزب الجمود أو

حزب التفرنج، هداهم الله تعالى باستعداد في فطرتهم، وتوفيق في سيرتهم، إلى

معرفة الطريقة المثلى لصلاح أمتهم، وكان المعقول أن يكون رجال العلم الديني

أقدر على أهل الجمود منهم على المتفرنجين، ولكن كثر ما كان الأمر على غير

ذلك؛ وسببه أن كبراء الجامدين من الشيوخ هم أشد حسدا وبغضا للمصلح الديني

من غيره، فلهذا لم يتم للشيخ شبلي ما كان يريد من الإصلاح في ندوة العلماء،

وكان أدنى الناس إلى مساعدته المتدينون من كبراء الدنيا كأميرة بهوبال، وقد

أخبرني رحمه الله تعالى أن الأمير الجواد، الذي تفاخر به الهند أمراء المسلمين في

جميع البلاد، النواب محمد علي راجا محمود آباد، عرض عليه مبلغا كبيرا من

المال يدفعه سنويا لمدرسة ندوة العلماء بشرط جعلها للمسلمين كافة كمدرسة عليكرة

لا خاصة بأهل السنة، وهذا باب عظيم من أبواب الإصلاح ما كان ليشايعه عليه

المتعصبون من أعضاء الندوة؛ فلذلك اعتذر للأمير بأن هذا عمل ما حان وقته.

وأما الأميرة المحسنة التقية صاحبة بهوبال، التي جعلها الله تعالى بعد

المصلح العظيم السيد صديق حسن خان، نصيرة العلم وخادمة الإسلام، فقد كانت

ظهيرة للشيخ في جميع ما يخدم به الدين والعلم من الأعمال، وإننا ننشر هنا نص

كتاب جاءنا منه، يشير إلى ما كان من صلتها وصلتنا به، وهو:

إلى حضرة السيد المحترم

... ... ... متع الله المسلمين بطول بقائه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٩٢