تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

الشيخ علي يوسف

(3)

فصل في بقية الكلام على سياسته المصرية

بينا أن سياسة الشيخ في المؤيد كانت تدور في أول العهد على ثلاثة أقطاب:

(1) تأييد سلطة الأمير ونفوذه (2) مقاومة نفوذ الاحتلال الإنكليزي (3)

الاعتماد في هذه المقاومة على نفوذ الدولة العثمانية وحقوقها الرسمية في مصر.

وكذا على نفوذ فرنسا ومصالحها السياسية فيها، وأنها بعد طول الاختبار وتغير

الحوادث طرأ عليها بعض التغيير. ونزيد ذلك بيانا فنقول - وإن كررنا بعض

المعاني -:

إنه بعد حادثة فشودة علم المترجم أن الاتكال أو الاعتماد على عهود دولة

أوربية لا يكون إلا دون الاتكال على المواعيد العرقوبية، وأنه بعد اختبار السياسة

العثمانية بالغوص في أعماق الحوادث التي بيانها وبين أوربا، وبلقاء كبار رجالها

في الآستانة ومصر وأوربا، علم أنه لا يتكل عليها في شيء، وأن الذي يبني

عمله على الرجاء فيها فإنما يبني على شفا جرف؛ إذ لا يؤمن خذلانها له في كل

عمل، فاكتفى من خدمة الدولة فيما يسمونه المسألة المصرية بالمحافظة على حقوقها

الرسمية في مصر، وجعل فرماناتها الرسمية لأمراء مصر ركن استقلالها الركين،

الذي يصد به بعض ما يخشى من هجمات الاحتلال عليه. وأما فرنسة وسائر دول

أوربة فقد علم كما يعلم كل خبير بصير أنها دول تجارية تتجر بالأمم والشعوب

والدول، وأنها لا تراعي في تجارتها حقا ولا عدلا، ولا رحمة ولا فضلا، وإنما

رأس مالها القوة والحيلة والأثرة، فلا يقدر أن يستفيد منها إلا من جعل منفعته

وسيلة إلى منفعتها، وهيهات أن يتسنى لأدنى أن يستخدم لمنافعه من هو أعلى منه

قوة وعلما. وما كل من تنفعه تقدر أن تستخدمه، وناهيك بدول أوربة ومعارضة

بعضها لبعض في سياستها أو مطامعها في بلادنا، فإذا أراد بعضها أن ينفعنا قليلا

لينتفع منا كثيرا، عارضه في ذلك من يكره لنا هذه المنفعة ويراها عقبة في طريق

مطامعه فينا.

وكان الفقيد يعلم أيضا أن شعوب أوربة خير من حكوماتها، وأن فيهم كثيرا

من الأحرار ومحبي الحق والخير لكل البشر، وأن رأي الشعب العام له السلطان

الأعلى على الحكومات؛ فلهذا كان يرى أخيرا أنه ينبغي أن يكون للمصريين صلة

ببعض أهل الفضيلة من أحرار الإنكليز لعلهم يستعينون بهم على مقاصدهم،

وإيصال ما يشكون منه بحق من إنكليز مصر إلى إنكليز لندرة، حتى لا تكون

الشؤون المصرية محجوبة عن محبي الإنصاف، لا يعرفون منها إلا ما يكتبه عميد

إنكلترا في مصر إلى ناظر الخارجية في لندرة وبعض مراسلي الجرائد. والعلم بهذا

الرأي إما أن ينفع وإما أن لا يضر. ولكن عارضه فيه أحداث الوطنية في جريدة

اللواء وما أحدثوه بعد مصطفى كامل من الجرائد كدأبهم وعادتهم، وقد بينا وجه ذلك

عندهم في هذه الترجمة.

***

(الجرائد والأحزاب بمصر)

ونقول ههنا: إن السياسة في مصر لا مظهر لها إلا الجرائد، وقد تألفت

الأحزاب لأجل الجرائد ومديري سياسة الجرائد، ولم يستطع حزب من الأحزاب أن

يجعل جريدة أكثر رواجا وقبولا من جريدة أخرى عند الرأي العام بمصر.

وقد سبق القول بأن الجرائد العربية المؤثرة في الجمهور المصري كانت ثلاثة:

الأهرام والمقطم والمؤيد، وأن التنازع إنما كان أولا بين الأهرام والمقطم؛ ثم

كانت الأهرام تشايع المؤيد بعد ظهوره لاتفاقه معها في الميل إلى السياسة الفرنسية

التي تعد الأهرام هي الركن الأول لها؛ ولأن مشايعته على المقطم كانت تعد من

آيات صدق الخدمة الوطنية لمصر. ولما انقطع أمل المصريين من فرنسة صارت

جريدة الأهرام في المرتبة الثانية بين الجرائد اليومية؛ بل كادت تموت من شدة

ضعفها؛ لولا أن تداركها همة بشارة باشا تقلا القوية ومن ساعده على تحريرها من

أذكياء الكتاب، وأعانه على ذلك ثقة جمهور التجار والزراع بأخبارها التجارية.

بذلك انتعشت بعد أن سقطت، وارتفعت بعد أن انخفضت، وحفظت مكانتها بين

الجرائد اليومية الكبرى، فإن لم تعد رأسا في سياسة خاصة فهي رأس في الثروة

والمباحث العامة. ولا يضاهيها في هذين الأمرين إلا المقطم. فهما الآن في مقدمة

الجرائد المصرية في الثروة، وسعة الأخبار العامة، والقدرة على التصرف في

الكلام عن الشؤون المصرية، على أنهما لم تتألف لهما أحزاب، وإنما تلك كفاءة

أصحابهما ومحرريهما، والجمع بين حسن الإدارة، والبراعة في الكتابة.

وقد تألف في مصر ثلاثة أحزاب سياسية حول ثلاث جرائد يومية، هن أكبر

جرائد مسلمي هذا القطر وأوسعها انتشارا: المؤيد واللواء والجريدة، ولم يكن لواحدة

منهن دخل يوازي دخل المقطم والأهرام إلا للمؤيد، فقد كان أوسع منهما انتشارا

وعلى مقربة منهما في المال، ولو أتيح للمؤيد مدير مالي يسير بإدارته سيرة

أصحاب تينك الجريدتين لكان أوسع الجرائد ثروة، على أن الشيخ رحمه الله عاش

به في سعة ورخاء، كما يعيش الأمراء والكبراء، حتى تورط في شراء الدور

وأراضي البناء، في إبان إسراف الناس في التغالي بها، فركبته الديون وجاءت

سنوات العسرة المالية فأتت على تجميع ما في يده، وكادت تذهب بالمؤيد نفسه،

لولا أن تداركه بتأسيس شركة مساهمة له، فحالت دون موته، لا دون مرضه، فقد

مرض المؤيد أمراضا أشرفت به على الموت عدة مرار، وصارت حركة ظهوره

كحركة المذبوح أو حركة الاستمرار، وهو لا يزال محتاجا إلى تجديد الحياة، وإنما

يكون ذلك بحسن الإدارة والنظام، وجعل التحرير على الوجه الذي بيناه من قبل،

وهو ما به يظل المؤيد صاحب التأثير الأول في كل ما يتعلق بمصالح المسلمين في

مصر، وكذا في غيرها، ثم بالمصالح المصرية والعثمانية. فإذا قصر المؤيد في

هذا الأمر - الذي لم يكن لولاه أمرا ذا بال - يحكم عليه الرأي العام الإسلامي بالعدم

والزوال، ويطلب بلسان حاله جريدة تحل محله حتى ينهض بها من يؤهله

الاستعداد من الشركات أو الأفراد.

وجملة ما نريد الاعتبار به أن المؤيد قد جعله مشربه الإسلامي والمصري

فوق جرائد القطر كلها، بل جعله حاجة طبيعية، من حاج البلاد المصرية

فالإسلامية، ولقي من المساعدة والإقبال ما لم يلق غيره، ومع هذا كله لم يستطع

أن يكون في ثبات الأهرام والمقطم وفي مثل ثروتهما، ولا في المحافظة على

إشعار الجماهير بحاجاتهم إليه، وبأنه لا بد لهم في الحوادث الطارئة من رأيه،

وقد ألف صاحبه له حزبا سياسيا سماه (حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية)

فلم يفده قوة تذكر، ولا رد عنه غارة تشن، وإنما كانت قوته المعنوية في هجومه

ودفاعه سنان قلم الشيخ علي، وحسن استعماله لأسنة الأقلام التي كانت تساعده،

ومنها ما كان أنفذ من سنانه في بعض الشؤون وأقتل. فلما مرض الشيخ مرض

المؤيد، ولما مات خشي الناس أن يموت كما مات حزبه، ولكن الشركة المالية

تداركت حياته المادية، وعسى أن توفق لتدارك حياته المعنوي، فإن لم يتم هذا يفقد

مسلمو مصر الانتفاع بقوتهم المعنوية، ولا يبقى لهم قائد منهم في حياتهم السياسية

والأدبية، ولا مدافع يؤثر صوته في مصالحهم الدينية، فالشعب جريدة أحداث

جهال، والجريدة ليست إسلامية المشرب، والأهالي كذلك، على أنها ولدت سقطا

كما قال أحد الأدباء. فالجريدة الإسلامية المصرية هي المؤيد، فإذا مات يعسر

وجود خلف له. وإنني بهذه الحرية في النصيحة، ربما أثير على نفسي حقدا قديما

وعداوة جديدة، ولا أبالي ذلك في سبيل مصلحة المسلمين، على أنني لست على ثقة

من قبولها، والله الموفق.

وأما اللواء فقد بينا أن منشئه تربى في مدرسة المؤيد السياسية، فكان تلميذا له،

إلا أنه عقه وكفره، وكان يحسب أنه يبذه أو يكون ناسخا له؛ لأنه يبالغ ويغلو في

كل المقاصد التي صار المؤيد يسلك سبل الاعتدال فيها، كمدح السياسة الحميدية،

وذم الحكومة المصرية، ومقاومة الاحتلال بالذم والاحتجاج، وذلك أن الناس كانوا

قد ألفوا بعض المبالغة من المؤيد، فإذا أرجعته عنها الحكمة والخبرة، يعد عوامهم

وشبانهم ذلك من تغيير الخطة، ومن دأب الأحداث والعوام، حب الإغراق والغلو

في الكلام، وناهيك بما يتعلق منه بالسياسة والحكام. وقد بذ اللواء المؤيد في

المبالغة بهذه المقاصد، وانفرد دونه بدعوة مسلمي مصر إلى تكوين رابطة جنسية

وطنية، لكنها رابطة تنافي إخاء الإسلام ولا ترضي القبط وسائر طوائف النصرانية.

صادف اللواء من مساعدة الآستانة ومساعدة بعض أمراء مصر وأغنيائها ما لم

تصادفه جريدة أخرى. حتى كان يبذل له الذهب بالألوف، وهو على هذا كله لم

يتسع انتشاره إلا بعد سنين من إنشائه، ثم إنه غلب المؤيد على استمالة أكثر تلاميذ

المدارس وكثير من العوام، وصار المؤيد باعتداله -على رضاء أكثر العوام عنه-

جريدة الخواص.

لم يستطع اللواء أن يصل بكل ذلك إلى أن يكون كجريدة الأهرام أو المقطم

في ثباتهما وثروتهما، وقد ألف صاحبه له الحزب الوطني الحديث [1] وألف شركة

رأس مالها عشرون ألف جنيه لأجل إصدار لواء أو لوائين آخرين باللغتين

الفرنسية والإنكليزية، وإنما كانت هذه الشركة صورية لا غرض منها إلا بذل ذلك

المال لمصطفى كامل يتصرف فيه؛ كما يشاء كما يفهم من قانونها وقد فعل. أضاع

هذا المال - كما أضاع ما سبقه من الإعانات مع كل غلة اللواء ومطبعته - في

السرف والمخيلة والمضارات، وطفق ينشد في اللواء شركاء يشترون سهاما

أخرى من الشركة؛ فلم يستجب لرقيته أحد، ولم يلبث مصطفى باشا كامل

أن مرض وضاعف ثقل المرض عليه هم الدين والعوز، وفي أثناء مرضه ألف

الحزب الوطني الحديث [1] وكل ذلك لم يغن شيئا. ومات (كما مات صاحب المؤيد

بعده) مثقلا بالديون، فقد تبين أن عليه عشرات الألوف من الجنيهات. وقد حجز

الدائنون مطبعة اللواء، وبيع أثاث زعيم الوطنية في محل رجل رومي يبيع الأثاث

بالمزاد، ثم مات اللواء بعد أن اضطر أصحابه إلى استخدام بعض الكتاب من نصارى

السوريين لتحريره وقد كان أعدى أعدائهم، وبعد أن انشق الحزب وأنشأ - بسعي

محمد بك فريد؛ رئيسه - جريدة لتكون لسان حاله سماها العلم (بالتحريك) ناط

رياسة تحريرها بالشيخ عبد العزيز شاويش، فكانت دون اللواء؛ أحط منه في كل

شيء إلا الغلو والإسراف في الكذب، والإرجاف والطعن في الشعوب والأفراد.

لذلك اضطرت الحكومة إلى إلغائها بعد أن حوكم رئيس تحريرها (شاويش)

غير مرة، وحكم عليه بالسجن وسجن.

في أثناء هذه الحوادث كان المتحمسون من رجال الحزب الوطني وآخرون

ممن يودون استمالة محبي الرجل من التلاميذ يجمعون المال لنصب تمثال له،

يخلدون به ذكره، ولو راعوا الآداب الإسلامية لحافظوا بهذا المال على جريدة

اللواء، وانتقوا لها محررين من العقلاء الأدباء، فإن هذا هو الذي يحفظ ذكره كما

حفظ الأهرام اسمي سليم تقلا وبشارة تقلا، فما من يوم إلا ويقرأ الأهرام ألوف من

الناس يرون هذين الاسمين ويتذكرون مؤسسي هذه الجريدة المرتقية، وفي مصر

عدة تماثيل لا يخطر أصحابها لأحد على بال حتى عند رؤيتها ماثلة بالشوارع.

وأما (الجريدة) فالعبرة بها أعظم فقد أنشأها جماعة من سروات البلاد

أصحاب الثروة والمكانة الاجتماعية، وحصلوا لها رأس مال عظيم، ووضعوا لها

قبل إنشائها قانونا من أدق القوانين، وأسسوا لها مطبعة من أرقى المطابع، وجعلوا

إدارتها ومطبعتها في قصر من أحسن القصور، واختاروا لها مديرا من أذكى

الكتاب وأعلمهم بالسياسة والقوانين، واختار هو من المحررين من سبق لهم التمرن

على الكتابة حتى في إدارة الأهرام وإدارة المقتطف والمقطم.

وألف أولئك السروات المؤسسون لها حزبا سياسيا يكفلها سموه (حزب الأمة)

فهي قد ولدت بالغة راشدة فلم تكن كالمؤيد واللواء طفلا ينمو في إدارته رويدا

رويدا، ولكنها - على كل هذه المزايا - لم تستطع أن تجد لها مقعدا ولا موقفا من

المكان الفسيح الذي وجده قبلها المؤيد أو اللواء من قلب الرأي العام المصري، ولم

تستطع أن تنال من جيبه بعض ما ينال المقطم أو الأهرام، بل كانت تحتاج كل سنة

إلى إمداد أولئك السروات لها بمالهم، على أنها ليست في الحقيقة لسان حالهم، وسبب

ذلك كله أن الروح الذي نفخ في هذه الجريدة لتحيا به ليس إسلاميا، وإنما هو فلسفة

خاصة لا تكاد تتجاوز دماغ مدير الجريدة وأدمغة بعض أصدقائه من المحامين

وغيرهم (الذين هم حزب الجريدة المعنوي لا المالي) إلا بتدرج بطيء جدا، ثم إنه

لا يرجى أن يعم، وليس من الحكمة، ولا مما يبيح الاقتصاد أن يكون له جريدة توقف

عليه في مثل هذه البلاد التي لم تستعد لأن تعيش فيها جريدة أو مجلة خاصة بشيء

واحد مما تعم الحاجة إليه كالاقتصاد والزراعة أو الأدب، ودع الفلسفة بجملتها،

دون مذاهب الأفراد فيها فقط.

وجملة القول أن الجريدة لا ترمي عن قوس عقيدة مسلمي مصر، ولا تصلح

للتأثير بالرأي العام المصري ولا فيه، فهي لا تستطيع أن تخدمه كما يجب، ولا أن

تستخدمه كما نحب؛ لأن روحها غير إسلامي، فلا هي لسان حال المسلمين، ولا

لسان الذين أسست بأموالهم منهم، وهم لم يستمروا على الإنفاق عليها إلا لما

يشعرون به من الغضاضة عليهم إذا ألغوها وأبطلوها، ولا يرجى لها بهذا المشرب

أن تبلغ شأو المقطم أو الأهرام من نفوس الناس ولا من الرواج والربح.

فظهر ما شرحناه أن الأحزاب في مصر لا عمل لها ولا تأثير إلا بالجرائد،

وأن الجرائد بالرجال الذين يتولون سياستها وإدارتها، وأنه لم توجد بمصر جريدة

للمسلمين حسنة الإدارة والنظام اللهم إلا الجريدة في الجملة أو في ضبط الأعمال

المالية وأن جريدة المؤيد هي الجريدة الإسلامية السياسية التي أوجدتها الحوادث

وكفاءة

الشيخ علي يوسف

في مكانه من الرأي العام الإسلامي يعرفها لها أهل

السياسة في أوربة ويعدونها لسان حال مسلمي مصر وغير مصر أيضا. وحذت

جريدة اللواء حذوها، ولم تبلغ شأوها؛ لأن صاحب المؤيد كان في السياسة الإسلامية

مستقلا، وصاحب جريدة اللواء كان فيها مقلدا، وإنما كان حظه منها بقدر ما اقتبس

من سياسة المؤيد. وكل ما خالف المؤيد كان خطأ في جملته، إن لم يكن خطأ في

كل فروعه وجزئياته، ولكن الغيرية لا تكون إلا بالمخالفة في بعض الشؤون،

فصاحبا المؤيد واللواء هما أوجدا المؤيد واللواء، وقد كان لسوء تصرفهما المالي

دخل عظيم في إضعاف جريدتهما، حتى ماتت إحداهما بعد موت صاحبها بعدما

أشرفت على الموت المالي في عهده، ويخشى أن تموت الأخرى مثلها، إن لم يعن بها

أهل الغيرة والبصيرة عناية يراعى فيها ما بيناه في هذه الترجمة مرارا.

فيجب على مسلمي مصر أن يتدبروا هذا النقص العظيم، وأن يتذكروا أن

شعبهم المستعد للعلم والأدب والتربية السياسية والاقتصادية، هو الذي جعل الأهرام

والمقطم أغنى الجرائد في بلاده، لأن أصحابهما عرفوا كيف يخاطبونه بحسب

استعداده، وهو قد ساعد المؤيد واللواء ما لم يساعدهما، فيجب على من يخدمه أن

يخاطبه بلسان استعداده. وأن يتذكروا أن (مصر) و (الوطن) الجريدتين

القبطيتين، تليان في الثروة والثبات الأهرام والمقطم السوريتين. ولولا صبيتهما

القبطية لما كانتا دونهما تأثيرا في نفوس المسلمين. فمن النقص - بل من العار -

على المسلمين أن لا يكون لهم جريدة أو جرائد مثل هذه أو أرقى منها في النظام

والثروة، بله التأثير والحظوة.

إن لي أن أفاخر بكفاءة أصحاب المقطم والأهرام ومحرريهما وببراعتهم؛

لأنهم من أبناء وطني الأول الذي هو وطن المولد والمنشأ. وأود - والله - أن أفخر

بمثل عملهم من أبناء ديني ووطني الثاني الذي هو وطن العمل. ولا يسرني من

مثل المقطم والأهرام في مصر إلا ما ينفع المصريين؛ لأن أبناء وطني السوريين

ليس لهم مصالح في مصر إلا ما ينفع المصريين، فهم غير محتاجين إلى جرائد

خالصة لهم من دون المصريين، لأجل هذا يهمني أمر المؤيد، ويسرني أن يكون

أرقى الجرائد المصرية تحريرا ونظاما وإفادة واستفادة؛ لأن المسلم أجدر بمعرفة

حاجة الجمهور المسلم وبيانها والدفاع عنها، من مثله في علمه وبيانه من غير

المسلمين، وأقدر على التأثير فيه بحمله على الخير أو صرفه عن الشر، وعلى

التأثير به يجعله مجنا يدفع به عنه ما يراه ضارا به. وقد رأيت غير واحد من

المشتغلين بالعلم وبالسياسة من النصارى يتمنون لو ولدوا مسلمين؛ لأجل أن يكونوا

أقدر على خدمة وطنهم أو الشرق الإسلامي كله.

وما أطلت الكلام على الجرائد في ترجمة الشيخ علي يوسف إلا لأذكر إخواني

مسلمي مصر بما أراهم غافلين عنه، وهو أنه لم توجد لهم جريدة تصح أن تكون

لسان حالهم بحق إلا المؤيد، وأن الروح الذي كان به المؤيد هو المؤيد يجب أن

يبقى له، ويجب أن يكفل، وأن يكون لهيئة التحرير فيه مع الرئيس الكفؤ، مراقب

موثوق به، مثل سعد باشا زغلول الذي كان ركنا من أركان تأسيس المؤيد.

وإلا خسر مسلمو مصر خسارة يصعب عليهم الاستعاضة عنها في سنة أو

سنين قليلة، وربما حرموها الأجيال طويلة، وقد ذكرناهم بما يوجب العبرة من

تاريخ أعظم جرائدهم.

هذا وإن أية جريدة من جرائد المسلمين في مصر يتولى رياسة تحريرها كاتب

خبير بمصالح المسلمين غيور عليها، قادر على الدفاع عنها، يمكن أن تحل محل

المؤيد الأول وأن تكون أكمل منه فيه وأثبت، ولكن لا يكون ذلك إلا بعد ثقة

الجمهور المسلم بها، وهذه الثقة إذا استعادها المؤيد في سنة واحدة - لا تنالها جريدة

جديدة بعد سنين كثيرة أو قليلة، ومن ذا الذي ينفق على جريدة جديدة إلا بعد سنين

كثيرة أو قليلة، ومن ذا الذي ينفق على جريدة جديدة عدة سنين، منتظرا طروء

الحوادث التي تقنع الرأي العام بأنها هي حاجته التي يطلبها لسان حاله واستعداده؟

(للترجمة بقية)

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) أول من ألف حزبا سياسيا بمصر باسم الحزب الوطني حكيمنا السيد جمال الدين الأفغاني، والحزب الذي كان يذكره مصطفى كامل في حال صحته لم يكن حزبا مكونا بالفعل.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٧ · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٧ · ص ٦٨