نظرة
في كتب العهد الجديد
وفي عقائد النصرانية
(2)
تابع ما قبله
هذا، واشتهار هذه الأناجيل بعد ذلك في أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث لم
يمنع النصارى من محاولة تحريفها هي وغيرها من كتبهم في بعض الأماكن التي لم
ترق لهم أو التي كثر انتقاد الناس عليها كعبارة لوقا في تقوية الملك للمسيح (23:
43) (راجع كتابنا دين الله ص 80) وكساعة الصلب في إنجيل يوحنا (19:
14) فجعلوها في بعض النسخ (الثالثة) بدل السادسة [1] وغير ذلك كثير (راجع
أيضا رسالة الصلب ص 162 وكتاب دين الله ص 76 - 78) وعبارة إنجيل لوقا
المشار إليها هنا تدل على أن كاتبه إما أنه ما كان يعتقد في المسيح الألوهية الحقيقية
كباقي زملائه كتاب العهد الجديد (انظر مثلا رؤيا 3: 14) أو أنه لم يقدر الله حق
قدره فلذا قال هذه العبارة، والوجه الأول هو الراجح عندنا كما سبق بيانه.
ومن العجيب أن المحرفين قد يضيفون بعض عبارات من عند أنفسهم كما في
إنجيل مرقس (16: 17 و18) وينسبونها للمسيح كذبا، وإن أوقعهم ذلك في
إشكال عظيم - ما دام في عملهم هذا تطبيق لنبوات قديمة على المسيح وأتباعه، فإن
هذا هو أكبر مقاصدهم بل مقصدهم الوحيد في كل ما يكتبونه عن المسيح حتى
أعماهم عن كل شيء آخر، ألا ترى أن كاتبي إنجيل متى ومرقس زعما أن المسيح
صرخ وهو مصلوب قائلا: إلهي إلهي لماذا تركتني (مت 27: 46 ومر 15:
34) رغبة منهما في تطبيق المزمور (22: 1) عليه ونسيا أن مثل هذا الصراخ
يدل على العجز والضعف واليأس والقنوط من رحمة الله وعدم الرغبة في تضحية
ذاته في سبيل خلاص الناس. ولكن رغبة الإنجيليين في تطبيق نبوات اليهود على
المسيح أنستهم كل شيء آخر.
وكذلك ادعى متى ركوب المسيح الأتان والجحش معا حينما دخل أورشليم
تطبيقا لنبوة زكريا عليه التي لم يفهمها كما سبق بيانه، وتراهم مثلا يقولون في
إنجيل مرقس وغيره مثل (يو 14: 12) : (إن الذين يؤمنون بالمسيح يخرجون
الشياطين باسمه ويتكلمون بألسنة جديدة، ويحملون الحيات ولا تضرهم السموم،
ويشفون المرضى) . مع أن هذه الأشياء لا نرى أحدا منهم الآن يقدر على فعلها،
وإن زعموا أنها خاصة بتلاميذه مع أن النص عام، قلنا: ولماذا لا تشاهد هذه
الآيات والمعجزات الآن مع شدة احتياح العالم إليها وامتلاء قلوب العالمين بالشك في
الدين المسيحي على الخصوص وكثرة الطعن فيه وتكذيبه حتى ممن كانوا أتباعه؟
ولو جاز اتخاذ مثل هذه العبارات دليلا على أن الإنجيليين ومن عاصرهم
كانوا يرون بأعينهم المعجزات تعمل في زمنهم على يد تلاميذ المسيح؛ لجاز أيضا
أن يقال: إنهم كانوا يرون الجبال تنتقل من مكانها وتنطرح في البحر بل كانوا
يرون ما هو أكبر من ذلك يحصل بكلمة أي رجل منهم ولو كان إيمانه ضعيفا كحبة
الخردل كما قالوا في أناجيلهم (مت 17: 20 ومر 11: 23 ولو 17: 6) مع
أنه لم يشاهد أحد منهم شيئا من ذلك قطعا لا انتقلت الجبال ولن تنتقل بأضعف
الإيمان ولا بأكمله، فلم إذا نسبوا هذه العبارات للمسيح وخطؤها واضح لا يحتاج
إلى دليل؟ ألا يدل ذلك على أنهم كانوا يخترعون ولا يبالون، والناس لجهلهم
يصدقون؟
وإذا صح قول المسيح: (إن حبة خردل من الإيمان تفعل كل شيء) فكيف
بعد ذلك مباشرة (مت 17: 21) اشترط الصلاة والصوم لإخراج شيطان من
شخص قدم لتلاميذه فلم ينجحوا في إخراجه منه؟ أفلم يكن عندهم قدر حبة خردل
من الإيمان؟ وإن كانت عندهم فلم اشترط إذا الصلاة والصوم وهو القائل قبل ذلك:
إن حبة الإيمان كافية لكل عمل حتى لا يكون شيء مستحيلا [2] مع وجودها؟
أما السبب عندنا في نسبة مثل تلك العبارات للمسيح فهو أيضا ورودها في
النبوات القديمة كعادتهم وتوهم الكاتب بدون بحث ولا تحقيق - لشيوع الجهل إذ
ذاك - قدرة الناس على هذه المعجزات؛ لكثرة ادعائهم لها في تلك الأزمنة بشيء