تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

103-104

-----------------

<span class="footnote">

(*) المسعدة: موضع.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

المؤتمر العربي بباريس

وحزب اللامركزية بمصر

يبحث الأوربيون آنا بعد آن في خطرين وهميين يمكن عقلا وفرضا أن

ينازعا دولهم في سيادة الأرض، وهما خطر الجامعة الإسلامية والخطر الأصفر.

فرضوا احتمال رجوع المسلمين إلى الاعتصام بحبل الإسلام واسترجاع

سيادته وقوته، ولو في بعض الممالك الإسلامية، واحتمال ارتقاء الأمة الصينية

وقوتها في بلادها، فحملهم هذان الفرضان على أخذ الأهبة والتعاون فيما بينهم على

إزالة ما بقي من ملك هاتين الأمتين واقتسام بلادهم ولو بالفتح السلمي الذي هو

أرقى ما وصل إليه المبشر في الفتح والسيادة، وهو الفتح بالعلم والعقل والحزم

والمال، تؤيدها قوة الأساطيل والجنود عند الحاجة؛ لأجل حمايتها وهيبتها.

أما الشرقيون فتصخ نذر الأخطار آذانهم، وتفقأ أشباحها المزعجة أعينهم،

وهم يتمارون بالنذر، ويتجادلون في مواضع العبر، وقد كانت الحرب البلقانية

العثمانية آخر صدمة صدمت الشرق فأتت على آخر ركن للاستقلال في آخر مملكة

مستقلة فيه أو كادت، وأهل هذه المملكة يتمارون فيما بينهم ويتجادلون ولا يعتبرون

بما حل بهم ولا يزدجرون.

من يحاول من الشرقيين عملا ما لأمته فإنما يحاوله في آخر الوقت الذي يمكن

فيه العمل أو بعد ذهاب الوقت، وقد كان يجب على الأمة العربية أن تهب من

رقدتها، وتعمل لنفسها ودولتها، وتثبت لنفسها وجودا تحترم به حقوقها وتعمر

بلادها، إن لم أقل: إن هذا كان يجب عليها منذ تغلغلت السلطة الحميدية التدميرية

في ولاياتها، وأنشأت تجهز الحملات العسكرية على معاهد القوة منها كاليمن،

والحملات الإفسادية على الولايات الضعيفة كسورية. وإذ لم يفعلوا فليكن ذلك العهد

عهد الإيقاظ والتنبيه، وعهد الاتحاديين الذي هو شر منه وأضر عهد الوحدة والعمل.

رأى العرب من الاتحاديين ما رأوا من سفك دماء إخوانهم وتدمير بلادهم في

اليمن والكرك وحوران، وإفساد ذات بينهم ومقاومة لغتهم في سورية والعراق،

ورأوا أن هؤلاء قد أنشأوا يهدمون ما أبقى عليه عبد الحميد من ملك بني عثمان،

ومع ذلك لم يزدادوا إلا أملا ورجاء في عاصمتهم البزنطية عاصمة الجهل والغرور،

والخيلاء والإسراف والظلم والخيانة والتدمير، ولم نر العبر والكوارث المحدقة

بهم والمنذرة لدولتهم قد أثرت فيهم تأثيرا جمع كلمة أهل الرأي والبصيرة إلى

العمل الواجب {كلا إذا بلغت التراقي * وقيل من راق * وظن أنه الفراق *

والتفت الساق بالساق} (القيامة: 26-29) وظفرت جيوش البلقانيين بإخوانهم

وأبناء دولتهم، وصارت مدافع البلغاريين تزلزل بدويها منازل تلك العاصمة،

وتقلق بأصواتها سلطانها في مضجعه بقصر، ضولمه بغجه وصارت الأمم

الأوربية، تتحدث بتصفية حساب المسألة الشرقية، وسمع من باريس صوت

مزعج يدعي لفرنسة حقوقا في سورية، ورؤيت المدرعات الفرنسية وغير

الفرنسية تتهادى في المواني السورية وغير السورية، بعد هذا كله تحرك أهل

الغيرة والإخلاص من العرب، وحاولوا أن يعملوا عملا يحفظ بلادهم من استيلاء

الأجانب عليها، وأن يصلح حالهم فيها، فكانت حركتهم هذه في آخر الوقت، إن لم

نقل: إنها كانت أو كادت تكون بعد ذهاب الوقت.

ماذا عملوا؟ ألف أهل الإخلاص والغيرة من السوريين المقيمين بمصر

حزب اللامركزية الإدارية العثماني، فلم يجعلوه حزبا سوريا ولا عربيا بل عثمانيا

عاما، وقام أهل ولايات سورية (بيروت والشام) والعراق يطلبون الإصلاح

لولاياتهم على أساس وقواعد اللامركزية، وفي باريس مئون من العرب

السوريين أهل العلم العصري والأدب والتجارة وطلاب العلوم العالية، أزعجهم

صوت موسيو بوانكاره - رئيس وزارة فرنسة بالأمس ورئيس جمهوريتها اليوم - إذ

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٩٤