22 - 36
) ولما جاء بولس نبههم أو اخترع لهم [6] حكمة للصلب وهي
تخليص البشر بعد أن فكر في ذلك مدة طويلة منها ثلاث سنين تقريبا اعتزل
فيها الناس في بلاد العرب وفي آخرها ذهب إلى دمشق (غل 1: 17 و18)
وربما وافقه بعض التلاميذ على هذه الحكمة التي أرشدهم إليها، والظاهر أنهم
خالفوه في غيرها من أفكاره كقوله بعدم وجوب الختان وجواز أكل ما ذبح
للأوثان (راجع غل 5: 2 و1 كو 6 و8 ورومية 14 وكو 2: 16 ثم اقرأ
رؤيا 2: 2 و9 و14 و3: 6) ولذلك ذمه يوحنا بعد موته في رؤياه هذه،
وقد سمى بولس إنجيله (إنجيل الغرلة للأمم غير اليهودية) (غل 2: 7-
10) وإنجيل تلاميذ المسيح (بإنجيل الختان) وكانت دعوتهم قاصرة على
اليهود فقط كدعوة المسيح عليه السلام نفسه (راجع كتاب دين الخوارق
Supernatural Religion فصل 3-7 من الجزء الرابع) .
(2) إن اختلاف البشر أمر طبيعي أراده الله ولا بد منه، ولو أرسل الله
رسولا لبيان ذلك عقب المسيح مباشرة لآمن به بعض الناس، وكفر به
الآخرون ولما زال الخلاف من بينهم.
(3) لما كثر الفساد في عقائد الأمم قاطبة وفي مذاهبهم وعم جميع
شؤونهم الدينية والدنيوية وكثر سفك الدماء وظلم الأبرياء وخصوصا عند
النصارى - أرسل الله محمدا على فترة من الرسل فبين لهم الحق من الباطل.
(4) إن النصارى تقول: إن روح القدس نزل على تلاميذ المسيح بعده
وأرشدهم إلى الحق في كل شيء، فهل زال الخلاف من بين النصارى بسبب ذلك؟
لا إننا لا نرى أمة من الأمم اشتد اقتتالها واختلافها في كل جزئية من جزئيات الدين
والدنيا أكثر من النصارى، وخصوصا بعد نزول هذا الروح المزعوم. فلهذا كله
اقتضت الحكمة الإلهية تأخير البيان حتى اشتدت حاجة الأمم كافة، واستعدت نفوس
البشر لقبول الإصلاح بعد أن عم الفساد الأرض، فجاء محمد على حين فترة من
الرسل كما قال القرآن الشريف (5: 19) بالإصلاح الذي ينشدونه وبيان الحق
الذي يتطلبونه؛ فلذا دخل الناس في دينه أفواجا أفواجا، وعم سلطانه الأرض في
وقت قصير لم يعهد له مثيل في تاريخ البشر، كما بينه الأستاذ الإمام في رسالة علم
التوحيد، وإلى الآن نرى الناس يقتربون من الإسلام شيئا فشيئا، حتى أوشك
حكماء أوروبا وعلماؤها أن يدخلوا فيه من حيث لا يشعرون؛ وسيكون - إن شاء
الله - هو دين الإنسانية العام في الأرض كما تدل عليه بوادر الأمور، ولا يهولنك
ضعف دوله الآن، فإن ذلك لا يعد شيئا في جانب ما نراه من اقتراب جميع العقلاء
والمفكرين من عقائده اقترابا كليا أو جزئيا حتى سادت العقائد الإسلامية على أذهان
كبار الناس اليوم في كل مكان (راجع ما تنشره جمعية العقليين (rationalists)
كالكتب التي تصدر من مطبعة Co Walts. شركة واطس بلندرة، ومن هذه
الكتب يتضح لك صدق قوله تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى
يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} (فصلت: 53) .
* * *
(استطراد لا بأس به)
بمناسبة ذكر جبل الزيتون كثيرا في هذه المقالة نقول ما يأتي:
سمي هذا الجبل بذلك لكثرة ما كان به من شجر الزيتون، ولهذا الجبل
شهرة عظيمة في تاريخ المسيح يعرفها المطلعون على الأناجيل، والأرجح أنه
أول ما نزل عليه الوحي كان عليه السلام هناك (راجع مثلا لو 4: 1 و5 و 9)
لذلك أقسم الله تعالى به في قوله: {والتين والزيتون * وطور سينين *
وهذا البلد الأمين} (التين: 1-3) أما التين فهو شجرة بوذا مؤسس الديانة
البوذية التي تحرفت كثيرا عن أصلها الحقيقي؛ لأن تعاليم بوذا لم تكتب في
زمانه، وإنما رويت كالأحاديث بالروايات الشفهية، ثم كتبت بعد ذلك حينما
ارتقى أتباعها. والراجح عندنا بل المحقق - إذا صح تفسيرنا لهذه الآية - أنه
كان نبيا صادقا ويسمى سكياموني أو جوتاما، وكان في أول أمره يأوي إلى
شجرة تين عظيمة وتحتها نزل عليه الوحي وأرسله الله رسولا فجاءه الشيطان