ذو القعدة - 1333ه
أكتوبر - 1915م
الكاتب: محمد علي أبو زيد
-----------------
<span class="footnote">
البرهان على خروج تارك الصلاة
ومانع الزكاة من الإيمان
جمع أدلته من الكتاب والسنة / محمد علي أبو زيد
الطالب بكلية دار الدعوة والإرشاد
(3)
فها أنت ذا قد سمعت من الآيات ما يدلك على أن مانع الزكاة مشرك بالله،
لأنه آثر المال على الله [1] ، وكافر بيوم المعاد؛ لأنه لو كان عنده جزم بل ظن به
لحمله على الإنفاق، فلا أخالك تشك في أنه محروم من الجنة، وأن {مأواه جهنم
وبئس المصير} (الأنفال: 16) .
وهاك أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدالة على ما قلنا،
المؤيدة لما ذكرنا.
أخرج ابن عساكر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (أقسم
الله تعالى ألا يدخل الجنة بخيل) وفي رواية للخطيب (يحلف الله بعزته وجلاله
ألا يدخل الجنة شحيح ولا بخيل) .
وأخرج ابن أبي شيبة، وهناد، والنسائي، والحاكم، والبيهقي عنه -
صلى الله عليه وسلم - (لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا) ، وفي رواية
لابن عدي: (لا يجتمع الإيمان والبخل في قلب رجل مؤمن أبدا) .
فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المبين للدين، الناطق عن الله،
أراك أن البخيل لا يدخل الجنة، ولم يأت بالخبر إلا مؤكدا بالقسم عن الله تعالى.
ولا يخفى أن البخل خلق في النفس يمنع صاحبه من بذل فضله لمن يحتاج
إليه، والشح أشد من البخل، فهو أكثر منعا منه لصاحبه، وكلاهما ضد للإيمان
الذي يحمل صاحبه على بذل روحه في سبيل ربه، فضلا عن بذل ماله وفضله،
فكيف يكون المانع للزكاة مؤمنا، وهو لم يمنع الزكاة إلا حرصا على المال،
وإيثارا له، وشحا به على الله؟ فلا شك في كفره وحرمانه من الجنة كما أخبر الله
ورسوله.
وهنا ربما تقول: أتيتنا بآيات في الصلاة وصفت تاركها بالشرك والكفر
والنفاق، ولم تصف آيات الزكاة مانعها إلا بالشرك والكفر فقط، فأقول لك: قد جاء
في القرآن أيضا وصف المنافقين بمنع الزكاة، قال عز شأنه في سورة التوبة:
{المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف
ويقبضون أيديهم} (التوبة: 67) فقبض اليد هو إمساكها عن الإنفاق الواجب من
زكاة وغيرها، وقد علمت حال المنافقين ودرجتهم مما سبق، فلا حاجة إلى الإعادة،
وإلى هنا ننتهي من أدلة الزكاة وحدها.
وإني أتلو عليك آيات في الصلاة والزكاة معا
(قال) الله تعالى في سورة البقرة: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل
المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر} (البقرة: 177) إلى أن
قال: {وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في
البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} (البقرة:
177) فانظر كيف جعل البر الإيمان بالله واليوم الآخر، وإقام الصلاة، وإيتاء
الزكاة، والوفاء بالعهد، والصبر في الشدائد، وتراه قد ابتدأ بالإيمان، وعقبه
بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة لأنهما تابعان له، لا ينفكان عنه، ثم ذكر بعدهما
الوفاء بالعهد، والصبر في الشدائد، وهما من الأخلاق التي تدعو إليها الصلاة،
وتثبتها في النفس، وقد عرفت ذلك فيما تقدم من الحكمة.
ولما كان الإيمان يستلزم إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وما يتبعهما من
الأعمال والأخلاق، وكان محالا - بحسب سنة الله تعالى - أن يوجد الإيمان في
قلب المرء، ويستقر من غير أن يحرك الجوارح لتلك الأعمال، ذيل الآية بقوله:
﴿أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ (البقرة: 177) أي أولئك الذي أقاموا
الصلاة، فأتوا بها معدلة مقومة، وآتوا الزكاة لمستحقيها بنفس طيبة، واتصفوا
بهذه الأخلاق الفاضلة، هم الذين صدقوا في إيمانهم، وهم الذين فعلوا ما يقيهم
عذاب ربهم، دون غيرهم، وهذا نص صريح في أن من يدعي الإيمان من غير أن