(4) حاشية: فإن قيل: إن الذي يفهم من هذه الأناجيل أن الصلب كان عقب صدور أمر بيلاطس مباشرة فلم يكن ثم وقت لهروبه من السجن ولا للقبض على غيره كما تقول، قلت: وهل يوثق بما في هذه الأناجيل من التفاصيل المتضاربة المتناقضة في كل جزئية من جزئيات حياة المسيح كما بينه بالتفصيل التام كثير من علماء الإفرنج أنفسهم كصاحب كتاب دين الخوارق Superatuarl Religion وغيره؟ ألا ترى أن هذه الأناجيل اختلفت حتى في نفس يوم الصلب وساعته وفي يوم صعود المسيح إلى السماء ومكانه؟ فقد نصت الثلاثة الأول منها على أن المسيح أكل الفصح مع تلاميذه كعادة اليهود أي في يوم 14 نيسان (راجع متى 26: 17 و 19 36 47 ومر 14: 12 16 ولو 22: 7 3) وأن عشاءه الأخير كان في يوم الفصح المذكور ولذلك اتخذه النصارى خصوصا في آسيا الصغرى عيدا من قديم الزمان، ثم صلب في اليوم الثاني للفصح أي في 15 نيسان ولكن الإنجيل الأخير جعل هذا العشاء ليس في يوم الفصح بل عشاء آخر عاديا قبل الفصح - كما في الإصحاح 13 منه - أي في يوم 13 نيسان فيكون الصلب وقع في يوم 14 منه أي يوم عيد الفصح نفسه والذي حمل مؤلفه على ذلك أنه أراد أن يجعل هذا العيد اليهودي رمزا إلى المسيح كأنه هو خروف الفصح الذي يذبح في هذا اليوم بخلاف الأناجيل الأخرى فإنها نصت على أن الخروف كان ذبح قبل يوم الصلب وأكله المسيح نفسه مع تلاميذه وسن فريضة العشاء الرباني في هذا اليوم لذكراه لأنه كان يوم وداعه وأعظم أعياد الشريعة الموسوية ولكن الإنجيل الرابع يتجاهل هذه الفريضة كما يفهم من الإصحاح 13 المذكور ويقول بعد ذلك أن محاكمة المسيح أمام بيلاطس كانت وقت استعداد اليهود للفصح في الساعة السادسة وأن اليوم التالي لهذا الاستعداد كان يوم السبت وكان عظيما عند اليهود، أي لأنه أول أيام الفطير، راجع (يو 19: 14 و31) وهو صريح في أن الصلب وقع في يوم الاستعداد الذي يذبح في مساءه خروف الفصح أي يوم 14 نيسان، وعليه فلم يجعل المسيح هذا اليوم عيدا بحسب الإنجيل الرابع! ولذلك تركت كنيسة رومة وأكثر النصارى عيد الفصح هذا واستبدلوا به عيد القيامة وقد وقعت بينهم وبين نصارى آسيا الصغرى مناقشة عنيفة في هذا الموضوع في أوخر القرن الثاني وأصر أهل آسيا على جعل يوم عيد الفصح اليهودي (14 نيسان) عيدا لهم أيضا لأنهم يقولون أن يوحنا الذي كان مقيما في وسطهم وغيره من تلاميذ المسيح كانوا يحتفلون بهذا العيد كما رواه يوسيبيوس في القرن الثالث عن بوليكارب تلميذ يوحنا، وروى بوليقراط أسقف أفسس في أواخر القرن الثاني عن يوحنا مثل هذا أيضا، فكيف إذا اتخذ يوحنا هذا اليوم - يوم الفصح اليهودي- عيدا مع أنه لم يذكر في إنجيله - إذا صح أنه هو الكاتب له - أن المسيح جعله عيدا كما قالت الأناجيل الثلاثة الأخرى، بل وصلب فيه فلم يسن فيه فريضة العشاء الرباني ولا أكل الفصح في هذه السنة؟ .
(5) راجع كتاب دين الخوارق (ص552، 553، 563، 564) وقد نص يوحنا على أن المسيح كان مقبوضا عليه قبل أن يأكلوا الفصح 18: 28 مع أن الأناجيل الأخرى نصت على أن القبض عليه كان بعد أكل الفصح، فهل بعد ذلك يقال أنهم متفقون؟ وهل هذه العبارة تقبل أيضا التأويل؟ أما ساعة الصلب فهي أيضا مختلفة في الأناجيل كما قلنا، ففي إنجيل مرقص أنه صلب في الساعة الثالثة مر (15: 25) وفي إنجيل يوحنا (19: 14) أنه لم يصلب إلا بعد الساعة السادسة، فإن قيل: إن ما ذكره يوحنا هو بحسب اصطلاح الرومان، قلت: وكيف يجري يوحنا على هذا الاصطلاح مع أنه كتب إنجيله في آسيا الصغرى، ولا يجري على هذه الاصطلاح مرقص الذي كتب إنجيله في رومة نفسها بناء على طلب الرومان منه ذلك كما رواه كليمندس الإسكندري ويوسيبيوس وجيروم وغيرهم؟ على أننا إذا راجعنا إنجيل يوحنا نفسه ظهر لنا نقض هذه الدعوى، فإنه قال يو (18: 28) أنهم جاءوا بيسوع من عند قيانا إلى بيلاطس في الصباح فخرج إليهم بيلاطس لمحاكمته ثم أخذ يسوع إلى إدارة الولاية عدد (33) وناقشه مدة ثم خرج إلى اليهود 38 ثم أخذ يسوع وجلده (19: 1) واستهزأت به العسكر ثم أخرجه إليهم (19: 4) وناقش اليهود في أمره ثم دخل إلى دار الولاية (19: 9) وتكلم مع المسيح ثم أخرجه وجلس على كرسي الولاية في موضع يقال له البلاط وبالعبرانية جبانا (19: 13) فكانت الساعة السادسة يو (19: 14) فإذا كان المراد بهذه الساعة الساعة الرومانية أي في الصباح - كما يقولون - فكم كانت الساعة إذا حينما أتوا بالمسيح إلى بيلاطس وقت الصبح كما قال يوحنا نفسه؟ يو (18: 28) أفلم تستغرق كل هذه المحاكمة والدخول والخروج بالمسيح والتكلم معه ومع اليهود زمنا ما؟ وهل عملت كلها في لحظة واحدة في الصباح نحو الساعة السادسة؟ وكم كانت الساعة إذا حينما أيقظوا بيلاطس في الصبح من نومه لمحاكمته، ومتى أرسل إلى هيردوس؟ كما يقول لوقا (23: 7-11) فالحق أن المراد بالساعة هنا الاصطلاح العبراني الذي جرى عليه مرقس وغيره لا الاصطلاح الروماني كما يزعمون ولذلك حرفوا هذه العبارة في بعض نسخهم وكتبوها الثالثة بدل السادسة يو (19: 14) لرفع هذه الإشكال. أما اختلافهم في يوم صعود المسيح إلى السماء ومكانه فبيانه أن المسيح بحسب إنجيل متى وفي إنجيل لوقا أنه صعد في يوم قيامته من مدينته أورشليم نفسها (لو 24: 1، 13،21،29،33،36،49،50 -53) وفي إنجيل يوحنا (20: 26) أنه ظهر لهم بعد ثمانية أيام من قيامته أي أن الصعود لم يكن في يوم قيامته كما في إنجيل لوقا! ومن العجيب أنهم يقولون أن لوقا هو مؤلف سفر الأعمال أيضا وتراه في هذا السفر يقول: إنه صعد من أورشليم بعد أربعين يوما (أع 1: 3-9) وهو خلاف ما في إنجيله! ويخالف أيضا إنجيل متى ومرقس (مر 16 - 7) اللذين جعلا الصعود من الخليل لا من أورشليم! فانظر إلى مقدار اختلافهم وتضاربهم حتى في هذه المسألة الهامة، فهل بعد ذلك نلام لأنا لم نعول على كل عبارة من عبارات أناجيلهم في هذه المقالة؟ .