تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شهيرة لا حاجة إلى إيرادها، وكلها متفقة على أن كل من أظهر الإسلام فقد عصم

دمه وماله، وإن كان يخفي جحودا أو تعطيلا كالمنافقين؛ لأن لنا الظاهر، والله

يتولى السرائر.

إذا كان هذا الحكم في العصمة يعم المنافقين فكيف لا يتناول من لا يشك في

إيمانه، ويبذل وسعه لحفظ العقيدة، فأنى يستحل دمه لمجرد أنه تأول بابا من أبواب

العلم، خالف فيه رأي غيره، مع أنه لم يجحد من الدين شيئا.

ومن هذا كل ما ذكروه في قتل الزنديق، فإنه لا حجة فيه قاطعة، ولا بينة

ناصعة، كما أوضحته تعليقاتي على الروضة الندية، للسيد صديق حسن خان،

والمدقق يرى أنه لا يمكن أن يؤتى في مسألة قتل الزنديق ببرهان من كتاب الله ولا

من آحاد لا صحيح ولا حسن؛ لأن الزنديق إن أظهر الإسلام وأسر الإلحاد فحكمه

كالمنافق، وبالإجماع هو معصوم الدم، وإن جهر بالكفر فلا يحكم عليه بالردة إلا

بعد أن تزاح كل علة، ولا يبقى لمرتاب شبهة، وهناك تجري عليه أحكام المرتدين.

وقد تقرر إجماعا أن الحدود تدرأ بالشبهات، فمن عكس القضية أن يجلب

الحدود بالشبهات، والبحث يدريه حق الدراية من تطلب لكل فرع دليله من الكتاب

أو السنة، ولم يعول عليهما.

وبالجملة فدعوى كفر مثل هذه الفرق مردودة بما ذكرنا، وقد نقل شيخ الإسلام

ابن تيمية رحمه الله، في كتابه موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول أن الكفر

يكون بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم بما جاء به، أو الامتناع عن متابعته،

كما سنأثره عنه بعد مفصلا في بحث حظر الأئمة المحققين من رمي فرق المسلمين

بالتكفير فسقط دعوى هدر دمهم بالتكفير.

وأما دعوى استحلال دمهم بأنهم من السعاة في الفساد في الأرض، فمردودة

بأن الآية لا تعم مثلهم قط، وإن جرينا على أن العبرة بعموم اللفظ؛ لأن العموم في

الآية إنما هو فيما شابه الحالة التي نزلت فيها أعني فيمن كان محاربا لله ورسوله

محادا لهما، متظاهرا بالكفر بالدين، ساعيا بإفساد السابلة والنهب وإخلال الأمن،

فالعموم هو في كل من اتصف بذلك، في أي زمان ومكان، فمن أين يشمل عموم

الآية من كان مؤمنا قانتا محافظا على شعائر دينه، متأولا في أبواب من العلم ما

تتسع له اللغة. ولا يأباه اللسان، وهو لم يرد من لفظ الآية لا منطوقا ولا مفهوما،

ولم تنزل في مثله، وفي الحقيقة هذا جلي لا يحتاج إلى أن ينبه على مثله، لأن

هذه الفرق المتأولة مؤمنة موحدة مطيعة لله ورسوله، ليست محاربة لله ورسوله،

ولا محادة لهما، ولا ساعية في الأرض بالفساد قتلا ونهبا، فمن المحال أن يدعي

شمول الآية لها، وهل يعم المؤمنين ما نزل في الكافرين؟ والقائل بذلك من السلف

مخطئ في اجتهاده، أو أنه لم يبذل الوسع فيه، ولذلك خالف فيه الأئمة المحققون

وأجمعوا على عدم تكفيرهم كما سيأتي مأثورا.

وكأن الذي سبب لهم ما سبب من الاضطهاد، هو ضعفهم في أول الأمر

وقلتهم، ولذلك لما كثروا وقوي حزبهم، وتمذهب لهم في عهدهم من كل ورع تقي،

من هو قدوة وعدل ورضي، لم ير مخالفوهم بدا من تحمل الحديث والعلم عنهم،

حرصا على الحكمة أن تضيع بموت أهلها، كما قدمنا عن الإمام أحمد، في اعتذاره

عن الرواية عن القدرية، مع أنهم فرقة من الجهمية، هذا ما كان من أمر الأثرية،

في اضطهاد الجهمية.

وأما الجهمية المعتزلة فقد اعتذروا عن اضطهاد خصومهم الأثرية، لما دالت

لهم الدولة، بما قدمناه من نص كتاب المأمون في المحنة المشهورة، وبما أوضح

بعضه أيضا خطيبهم الجاحظ فقد قال [1] :

وبعد، فنحن لم نكفر إلا من أوسعناه حجة، ولم نمتحن إلا أهل التهمة،

وليس كشف المتهم من التجسس، ولا امتحان الظنين من هتك الأستار، ولو كان

كل كشف هتكا، وكل امتحان تجسسا لكان القاضي أهتك الناس للستر، وأشد الناس

كشفا لعورة، قال: والذين خالفوا في العرش إنما أرادوا نفي التشبيه فغلطوا،

والذين أنكروا أمر الميزان إنما كرهوا أن تكون الأعمال أجساما وأجراما غلاظا،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٩٩