مشى على منواله اه. وجلي أن الذي أوصلهم إلى عد الصحابة منهم، هو
الشغف بمذهبهم، والاعتقاد بأنه الحق والصواب، ولا غرو فإن الولع بمذهب
يحاول أن يرد الكتاب والسنة وخيار الناس إليه، بيد أن من هؤلاء مجتهدين،
ومنهم مقلدون، وبينهما بون عظيم، فإن المجتهدين يؤثرون مذهبهم لما يرشدهم
الدليل إليه، فهم يستدلون ثم يعتقدون، وأما المقلدون فهم يؤثرون مذهبهم حبا أو
عصبية، فيعتقدون ثم يستدلون لما يعتقدون، فإن رأوا خلافه أعرضوا عنه: فما
أضيع البرهان عند المقلد.
قال الإمام أحمد بن المختار الرازي في مقدمة كتابه حجج القرآن لما استخرج
منه حجج كل طائفة ما مثاله: وما من فرقة إلا ولها حجة من الكتاب، وما من
طائفة إلا وفيها علماء نحارير فضلاء، لهم في عقائدهم مصنفات، وفي قواعدهم
مؤلفات، وكل منهم يؤول دليل صاحبه على حسب عقيدته ووفق مذهبه، وما منهم
من أحد إلا ويعتقد أنه هو المحق السعيد، وأن مخالفه لفي ضلال بعيد {كل حزب
بما لديهم فرحون} (المؤمنون: 53) قال: وليس قصدنا بيان مقولات المتكلمين،
من المتأخرين والمتقدمين، ولكن القصد أن نذكر جميع حجج القرآن بطريق
الاستيعاب، ثم نذكر حجج الحديث، لكل قوم من القديم والحديث، لكيلا يعجل
طاعن بطعنه في فرقة، ولا يغلو قادح بقدحه في طائفة.
وكتابه هذا بديع جدا، رتبه على ثلاثين بابا، في كل باب فصول جمة،
وقال رحمه الله في خاتمته ما صورته: هذا آخر ما أوردنا من حجج القرآن لجميع
أهل الملل والأديان، وهي بمجموعها حجة على أصحاب الظواهر الذين يأبون
التأويل، وينسبون مخالفيهم إلى التعطيل وحجة أيضا على المتعصبين الذين يقابلون
مخالفيهم بالتكفير والتضليل، والتخطئة والتجهيل، وحجة أيضا على من ينكر
النظر في كتب الأصول، أو يقول فيها بالمنقول دون المعقول وحجة أيضا على من
يكفر أهل القبلة أو يعير طائفة بالقلة، أو يخرجهم ببدعة عن الملة، وحجة أيضا
على من يجزم على مجتهد واحد بالإصابة، أو يعجل في تضليل فرقة أو عصابة،
وحجة أيضا على العلماء القاصرين أيضا في العربية، الغالين في الجدل والعصبية
اه.
* * *
(11)
شبهة الأثرية في اضطهاد الجهمية، والجهمية في اضطهاد الأثرية
لما دالت لكل منهم الدولة وفيه اعتذار بقلم الجاحظ
قدمنا أن شيوخ الرواية، وأعلام الأثر، كانوا يغرون الأمراء بمخالفيهم، لما
يذيعونه من تكفيرهم وزندقتهم، وتم لهم الأمر في مثل غيلان والجعد ومحمد بن
سعيد المصلوب وأمثالهم، كما حكيناه من قبل.
قال الإمام ابن تيمية في بعض فتاويه: إن السلف الذين كفروا الجهمية
قالوا: يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا، قال ابن تيمية: لكن من كان مؤمنا بالله ورسوله
مطلقا، ولم يبلغه من العلم ما يبين له الصواب، فإنه لا يحكم بكفره، حتى تقوم
عليه الحجة التي من خالفها كفر، إذ كثير من الناس يخطئ فيما يتأوله من
القرآن، ويجهل كثيرا مما ورد من معاني الكتاب والسنة، والخطأ والنسيان مرفوع
عن هذه الأمة، والكفر لا يكون إلا بعد البيان قال: والأئمة أمروا بقتل مثل هؤلاء
الذين ينكرون رؤية الله في الآخرة، ويقولون: القرآن مخلوق ونحو ذلك، قيل
إنهم أمروا بقتلهم لكفرهم، وقيل لأنهم إذا دعوا الناس إلى بدعتهم أضلوا الناس،
فقتلوا لأجل الفساد في الأرض، وحفظا لدين الناس أن يضلوهم اه.
هذا ما حكاه الإمام ابن تيمية في شبهة من أمر بقتلهم، وقد حكى الشبهتين
بصيغة التمريض، ليشير إلى أن ما زعموه دليلا ليس بدليل ولا شبهة، فإن سفك
دم المعصوم إنما يكون بأمر قاطع، قد نص عليه نصا لا احتمال فيه ولا اشتباه؛ إذ
مثله يكون من المحكمات الواضحات، والأحكام الجليات، لا مما تتجاذبه الآراء،
وتتراده الأقوال؛ لأنه لا أعظم بعد الشرك من سفك دم المعصوم، وكل من أتى
بالشهادتين فقد عصم دمه إلا بحقه المنصوص عليه، والأحاديث في ذلك كثيرة