فإن كانوا قد أصابوا فلا سبيل عليهم، وإن كانوا قد أخطأوا فإن خطأهم لا يتجاوز
بهم إلى الكفر، وقولهم وخلافهم بعد ظهور الحجة تشبيه للخالق بالمخلوق، فبين
المذهبين أبين الفرق، وقد قال صاحبكم [2] للخليفة المعتصم، يوم جمع الفقهاء
والمتكلمين والقضاة والمخلصين، إعذارا وإنذارا: امتحنتني وأنت تعرف ما في
المحنة، وما فيها من الفتنة، ثم امتحنتني من بين جميع هذه الأمة، قال المعتصم:
وجدت الخليفة قبلي قد حبسك وقيدك ولو لم يكن قد حبسك على تهمة، لأمضى
الحكم فيك، ولو لم يخفك على الإسلام ما عرض لك، فسؤالي إياك عن نفسك ليس
من المحنة، ولا من طريق الاعتساف، ولا من طريق كشف العورة، إذا كانت
حالك هذه الحال، وسبيلك هذه السبيل.
ثم قال الجاحظ: وكان آخر ما حج [3] فيه أن أحمد بن أبي دؤاد قال له:
أليس لا شيء إلا قديم وحديث؟ قال: نعم، قال: أوليس القرآن شيئا؟ قال: نعم،
قال: أوليس لا قديم إلا الله؟ قال: نعم، قال: فالقرآن إذا حديث. قال: ليس
أنا متكلم. ثم قال الجاحظ: [4] وزعم يومئذ أن حكم كلام الله تعالى كحكم علمه،
فكما لا يجوز أن يكون علمه محدثا ومخلوقا، فكذلك لا يجوز أن يكون كلامه مخلوقا
ومحدثا، فقال ابن أبي دؤاد: أليس قد كان الله يقدر أن يبدل آية مكان آية، وينسخ
آية بآية، وأن يذهب بهذا القرآن ويأتي بغيره، وكل ذلك في الكتاب مسطور؟ قال:
نعم. قال: فهل كان يجوز هذا في العلم؟ وهل كان جائزا أن يبدل الله علمه
ويذهب به ويأتي بغيره؟ قال: لا، وقال له روينا في تثبيت ما نقول الآثار،
وتلونا عليك الآية من الكتاب وأريناك الشاهد من العقول التي بها لزم الناس
الفرائض، وبها يفصلون بين الحق والباطل، فعارضنا أنت الآن بواحدة من الثلاث،
فلم يكن ذلك عنده.
ثم قال الجاحظ: وعبتم علينا إكفارنا إياكم، واحتجاجنا عليكم بالقرآن
والحديث، وقلتم تكفرونا على إنكار شيء يحتمل التأويل، ويثبت بالأحاديث؟ فقد
ينبغي لكم أن لا تحجوا في شيء من القدر والتوحيد بشيء من القرآن والحديث،
وأن لا تكفروا أحدا خالفكم في شيء، وأنتم أسرع الناس إلى إكفارنا، وإلى عداوتنا
والنصب لنا اه. كلام الجاحظ.
فانظر إلى حججهم وحجاجهم، واعتذار الخليفة وقتئذ بالخوف على الإسلام
من خصومهم، تعلم أنه بلغ عقدهم بمذهبهم مبلغا لا غاية وراءه من التيقن والتصلب،
مع أن كل ما ذكروه لا يحل اضطهادهم لمخالفيهم، إذ الرأي إنما يدفع بالحجة
والبرهان، لا بقوة السلطة والسلطان.
وأعجب ما جاء في كلام الجاحظ قوله: وعبتم علينا إكفارنا إياكم، إلى قوله:
وأنتم أسرع الناس إلى إكفارنا. إذ يدل أن الشدة والعداء والحدة أصارت الفريقين
إلى استحلال إيقاع كل بالآخر ما يستطيعه من ضروب الإيذاء بالقول والفعل، حتى
صار يخيل للمرء أن ذات هذه المذاهب من شأنها أن تملأ قلوب ذويها بغضا ونفارا
من مخالفيها، وأنها منبت للإحن، ومصدر للمحن والفتن. ولقد أثر هذا النبذ في
أتباع الفريقين تأثيرا لم تحمد عقباه، إذ لا تمحوه من أنفس كل منهم كرور الأيام،
ولا مرور الأعوام، ما دام يقرأ في زبر كل فريق خلاف عقد الآخر، والتشنيع
عليه، ولم ينج من هذه الحفائظ والشحناء إلا من نفض غبار التقليد، وأوى من
الاجتهاد إلى ركن شديد.
ولقد يعجب المرء من أحمد بن أبي دؤاد وله من وفرة العقل، وكبر الفهم
والنبل، ما أصاره من أفراد الرجال، كما يدريه من قرأ أخباره في مثل تاريخ ابن
خلكان، ومع ذلك يغري الملوك بمن خالف مذهبه، ويسعى لديهم بما يعجل نكالهم،
وقد أثر عنه من ذلك ما شوه وجه حياته، وكسف شمس فضائله، فقد بلغ به
التعصب لمذهبه ما أصاره يؤذي من أهل مذهبه من يخالف بعض مسائل منه. ومن
ذلك ما حكاه أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني في أخبار سعيد بن حميد
البغدادي الكاتب الشاعر المشهور أن أباه كان وجها من وجوه المعتزلة فخالف