ليست عملية.
والمراد أن يعملوا بما بقي عندهم من أحكام التوراة والإنجيل على علاته،
وعلى ما به من نقص وتحريف وزيادة، فإن شرائع هذه الكتب وأوامرها ونواهيها
هي أقل أقسامها تحريفا. وأكثر التحريف في القصص والأخبار والعقائد وما ماثلها
وهي لا تدخل في الأمر بالإقامة، ولا شك أن أحكام التوراة والإنجيل وما فيهما من
شرائع ومواعظ ونصائح ونحوها لا تزال فيها أشياء كثيرة لا عيب فيها ونافعة
للبشر وفيها هداية عظمى للناس فهي مما يدخل تحت قوله تعالى: {وأنزل التوراة
والإنجيل * من قبل هدى للناس} (آل عمران: 3-4) فإذا أقام أهل الإنجيل
أحكامهما على علاتها كانوا لا شك على شيء يعتد به، ويصح أن يسمى دينا، وإذا
لم يقيموها وجروا على خلافهما كانوا مجردين من كل شيء يستحق أن يسمى دينا
وكانوا مشاغبين معاندين وبدينهم غير مؤمنين إيمانا كاملا.
وهذه قضية صحيحة لا يشك فيها عاقل، وهي المعنى المتبادر من الآية،
فأي شيء في هذا المعنى يدل على عدم تحريف التوراة والإنجيل على وجودهما
عند أهلهما كاملين وخصوصا بعد قوله تعالى كما سبق في اليهود والنصارى
﴿ونسوا حظا مما ذكروا به﴾ (المائدة: 13) فالآية تشبه قوله تعالى: {وكيف
يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} (المائدة: 43) أي ﴿وكيف يحكمونك﴾ (المائدة: 43) وهم لا يعتقدون
صدقك وصحة نبوتك ﴿وعندهم التوراة فيها حكم الله﴾ (المائدة: 43) في
المسألة التي تحاكموا فيها إلى النبي، وهو حكم الله بحسب اعتقادهم أو بحسب
الحقيقة، ووجود هذا الحكم الخاص فيها لا ينافي القول بوجود أشياء أخرى كثيرة
فيها محرفة، وسماها التوراة إما باعتبار عرفهم، كما نسميها نحن الآن، وكما
نسمي معبودات الوثنيين ب (آلهتهم) ودعاة النصرانية ب (المبشرين) ، أو
باعتبار أصلها أو لاشتمالها على أشياء كثيرة من التوراة الحقيقية، ولولا ذلك ما
صح أن نسمي هذه الكتب بالتوراة والإنجيل مع اعتقادنا بتحريفها وتبديلها وعدم
صحة كثير من أجزائها وكتبها ﴿ثم يتولون من بعد ذلك﴾ (المائدة: 43) بعد أن
حكمت لهم بعين الحكم الذي عندهم في توراتهم التي يدعون الإيمان بها ويعتقدون
صحتها: ﴿وما أولئك بالمؤمنين﴾ (المائدة: 43) بك ولا بكتابهم، وإنما هم
مشاغبون معاندون متلاعبون مستهزئون لا يخافون الله ولا يخشون عقابه في الدنيا
والآخرة؛ لقساوة قلوبهم وخلوها من الإيمان الصحيح، ولذلك لا يبالون بما خالف
أهواءهم ولو كان في كتبهم المقدسة عندهم.
ولنا أن نقول أيضا: إن معنى تلك الآية {لستم على شيء حتى تقيموا
التوراة والإنجيل} (المائدة: 68) الحقيقيين، وذلك يستلزم البحث والتنقيب
والجد والاجتهاد في نقد ما عندهم منهما نقدا علميا عقليا تاريخيا صحيحا حتى
يستخلصوا حقهما من باطلهما بقدر الإمكان كما يفعل علماء الإفرنج الآن، ونتيجة
ذلك العناء كله أن يكونوا على شيء من الدين الحق، وهذا أمر لا شبهة فيه.
ولو اتبعوا القرآن لأراحوا واستراحوا ولكنهم كما قال تعالى لا يزيدهم القرآن
إلا طغيانا وكفرا، وحسدا وعنادا، فلا يؤمنون به ولا يهتم جمهورهم بإصلاح دينهم
من المفاسد وتنقيته من الشوائب، فلم يدركوا خير هذا ولا ذاك، فكأن الآية تريهم
أنهم إذا لم يتبعوا القرآن يجب عليهم القيام بعبء ثقيل جدا من البحث والتمحيص
وبعد ذلك يكونون على شيء من الحق لا على الحق كله، ولو أقاموا التوراة
والإنجيل الحقيقيين غاية الإقامة، فما بالك إذا كان ذلك مستحيلا لعدم وجودهما على
حقيقتهما؟ فهم ليسوا على شيء مطلقا ولا يمكن أن يكونوا عليه، فإن كتبهم قد
صارت خلقة بالية، لذلك قال رسول الله لعمر حينما رأى ورقة من التوراة بيده:
(ألم آتكم بها بيضاء نقية؟ والله لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي) (انظر