تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

37) ويشركون ويرتدون، ولولا علم موسى ذلك عن طباعهم ما قال لهم ما قال

(راجع مثلا سفر التثنية إصحاح 28 - 31) ثم قال الله تعالى: {وقفينا على آثارهم

بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل} (المائدة: 46)

وكما قال تعالى لأتباع موسى ﴿فلا تخشوا الناس واخشون﴾ (المائدة: 44) الآية

قال أيضا لأتباع عيسى: ﴿وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه﴾ (المائدة:

47) وإنما خص أهل الإنجيل بالذكر لبيان أن الإنجيل لم ينزله الله للأمم كافة كما

يزعمون وليست شريعته باقية لكل زمان. وقد بينا أن بعثة عيسى كانت خاصة

بالأمة اليهودية في صفحة (193 و194) وحذف لفظ القول في القرآن كثير كما

في قوله تعالى: ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾ (غافر: 16) وقوله:

﴿فأرسلون * يوسف أيها الصديق﴾ (يوسف: 45-46) وغير ذلك مما يعرفه

المطلعون على أساليبه وتراكيبه، فكذلك هنا حذف لفظ (قلنا) قبل لفظ ليحكم وفي

قراءة حمزة، وهي من القراءات السبعة المتواترة بين المسلمين، وليحكم، بكسر

اللام وفتح الميم، والمعنى آتينا عيسى الإنجيل ليحكم به أهله وهم الذين بعث إليهم

من بني إسرائيل {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب

ومهيمنا عليه} (المائدة: 48) أي شاهدا على ما فيه من الحق والباطل، ولا يدل

ذلك على أنه يمنع تحريفه كما زعم بعضهم فإن الشاهد على أي شيء كالجرائم

ونحوها ليس من شأنه أن يمنع مرتكبيها منها وإنما هو يقرر أمام القضاة ما علمه

عنها.

وقد توسعنا في بيان ذلك في كتاب دين الله في حاشية صفحة (84 و85)

فراجعه إن شئت ﴿فاحكم بينهم﴾ (المائدة: 48) يا محمد {بما أنزل الله ولا

تتبع أهواءهم} (المائدة: 48) بأن تعمل في كتبهم فإنهم كتبوها كما شاءوا

وشاءت أهواؤهم وأبقوا فيها من شرائع الله ما وافق أميالهم وأغراضهم حتى اختلط

الحق بالباطل.

زد على ذلك أننا ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ (المائدة: 48) فإننا

وضعنا لكل أمة سابقة ولاحقة طريقة وشريعة توافق مصلحتها وقد تخالف مصلحة

غيرها فلا تعمل إلا بما أنزلناه إليك فإن شريعتهم، حتى السالمة من التحريف

والتبديل، فيها ما لا يوافق أمتك ولا يناسب حالها {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة

ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات} (المائدة: 48) أي لتسارع كل أمة

من السابقين واللاحقين في طريق الطاعات وعمل الخيرات، وهذا الكلام كما قيل

لنا قيل أيضا لكل الأمم الغابرة، فإن الجميع طولبوا بعمل الطيبات الصالحات

والمبادرة إلى طاعة الله تعالى والتسابق فيها مع الأمم الأخرى المعاصرة لهم أو

بعضهم مع بعض ﴿إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ (المائدة:

48) بعضكم مع بعض أو بعض الأمم السابقة بمن أدركوه من الأمم اللاحقة. ثم

قال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك

عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم

وإن كثيرا من الناس لفاسقون} (المائدة: 49) فأي شيء في هذه الآيات يدل

على عدم تحريف التوراة والإنجيل مع أنها صريحة في عكس ذلك، وفي نسخهما

والأمر بعدم الالتفات إليهما بعد القرآن؟ ألا إن الغرض يعمي ويصم.

وأما قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة

والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم} (المائدة: 68) الآية فمعناها هكذا: {لستم

على شيء} (المائدة: 68) يصح أن يقال له دين أو يعتد به ﴿حتى تقيموا﴾ (المائدة: 68) أي تعملوا طبق الواجب بأحكام ﴿التوراة والإنجيل﴾ (المائدة:

68) وتحيوا شرائعهما وتطيعوا أوامرهما وتنتهوا بنواهيهما، فإن الإقامة هي

الإتيان بالعمل على أحسن أوجهه كإقامة الصلاة مثلا أي فعلها على الوجه اللائق بها،

ولا يدخل في ذلك القصص التي في التوراة والإنجيل ولا العقائد ونحوها فإنها

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٥٨