التعصب الديني ورمي المتعصبين بالخشونة، الإفرنج أشد الناس في هذا النوع من
التعصب وأحرصهم على القيام بدواعيه، ومن القواعد الأساسية في حكوماتهم
السياسية الدفاع عن دعاة الدين والقائمين بنشره ومساعدتهم على إنجاح أعمالهم،
وإذا عدت عادية مما لا يخلو عنه الاجتماع البشري على واحد ممن على دينهم
ومذهبهم في ناحية من نواحي الشرق، سمعت صياحا وعويلا وهيعات ونبآت
تتلاقى أمواجها في جو بلاد المدنية الغربية وينادي جميعهم: ألا قد ألمت ملمة،
وحدثت حادثة مهمة، فأجمعوا الأمر وخذوا الأهبة لتدارك الواقعة والاحتياط من
وقوع مثلها حتى لا تنخدش الجامعة الدينية، وتراهم على اختلافهم في الأجناس،
وتباغضهم وتحاقدهم وتنابذهم في السياسات، وترقب كل دولة منهم لغرة الأخرى
حتى توقع بها السوء - يتقاربون ويتآلفون ويتحدون في توجيه قواهم الحربية
والسياسية لحماية من يشاكلهم في الدين، وإن كان في أقصى قاصية من الأرض،
ولو تقطعت بينه وبينهم الأنساب الجنسية.
أما لو فاض طوفان الفتن وطم وجه الأرض وغمر وجه البسيطة من دماء
المخالفين لهم في الدين والمذهب فلا ينبض فيهم عرق ولا يتنبه لهم إحساس بل
يتغافلون عنه ويذرونه، وما يجرف حتى يأخذ مده الغاية من حده، ويذهلون عما
أودع في الفطر البشرية من الشفقة الإنسانية والرحمة الطبيعية كأنما يعدون من
الخارجين عن دينهم من الحيوانات السائمة والهمل الراعية. وليسوا من نوع
الإنسان الذي يزعم الأوربيون أنهم حماته وأنصاره، وليس هذا خاصا بالمتدينين
منهم، بل الدهريون ومن لا يعتقدون بالله وكتبه ورسله يسابقون المتدينين في
تعصبهم الديني، ولا يألون جهدا في تقوية عصبيتهم، وليتهم يقفون عند الحق ولكن
كثيرا ما تجاوزوه، أما إن شأن الإفرنج في تمسكهم بالعصبية الدينية لغريب.
يبلغ الرجل منهم أعلى درجة في الحرية كغلادستون وأضرابه ثم لا تجد كلمة
تصدر عنه إلا وفيها نفثة من روح بطرس الراهب، بل لا نرى روحه إلا نسخة
من روحه (انظر إلى كتب جلادستون وخطبه السابقة) اه.
ومما بدا للمسلمين من هذه الحرب ولم يكونوا يحتسبونه، أن الدولة العثمانية
ليست بالدولة القوية التي يرجى أن تحفظ نفسها من أوربة بقوتها الحربية، سواء
منها البرية والبحرية، وإنما بقاؤها بدوام تنازع الدول في اقتسامها، وإن هذا
الاقتسام متفق عليه في الجملة، مختلف عليه في التفصيل، وإن ممالكها في نظرهن
كالأرض الموات: من سبق إلى شيء منه ملكه، وإن ما يبديه بعضهن لها من الميل
والانعطاف أحيانا، وهو لا يتعدى القول اللطيف والمساعدة السلبية، فإنما سببه جر
المغنم العاجل كالامتيازات والقروض وبيع الأسلحة والذخائر، على أنهن صرن
يقبضن أيديهن عن إقراضها ولو بالربا الفاحش ويتشددون في ذلك، وأما ما كان من
مساعدة بعضهن لها في الزمن الماضي فسببه تعارضهن في النفوذ والطمع في
بلادها أيضا، وقد ارتقوا عن هذه الدرجة الآن.
عرف خواص المسلمين هذه الحقائق في الأقطار الكثيرة، وشعر به عوامهم
في مصر وولايات السلطنة أيضا، فأصابهم من الغم والكآبة ما وجلت له القلوب،
وذرفت لأجله العيون، وطفق الناس يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه
مختلفون، وهو كيف يكون حال الإسلام والمسلمين إذا صارت هذه الدولة
في عداد الغابرين؟
إن أصحاب هذه الدولة يجدون ويجتهدون في هدمها منذ قرنين أو أكثر وكانت
بعض الدول الأوربية تدعهم إلى الإسراع في الهدم، وبعضها تدعوهم إلى التريث
فيه، وقد اشتد الهدم على عهد عبد الحميد ولكن من وراء الحجب والأستار، وفي
حنادس الظلمات، وأما بعد سقوطه فقد صار الهدم أشد، ولكن الهادمين يسمون
أنفسهم البنائين الأحرار، وصار أبين وأظهر لأنه يؤتى في ضوء النهار.
لقد كان جهل المسلمين بحقيقة حال هذه الدولة، أكبر مصائبهم ومصائب
الدولة، ولو كانوا يعرفون كنه حالها، منذ تنبهوا لأنفسهم ولها - أي من عهد