تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

انكسارها في حرب الروسية الأخيرة - لاجتهدوا في إصلاح أنفسهم وإصلاحها،

ولكنهم اغتروا وخدعوا بها، وأمدتهم جرائد المنافقين في غرورهم، فحسبوا أن لهم

دولة قوية عزيزة تقيم شرعهم، وتعلي كلمة دينهم وتدافع عنه وعنهم، وكم

نبهناهم وأنذرناهم فتماروا بالنذر، ولا يزال كثير منهم على غرورهم، كما يدلنا

على ذلك تجاوب اقتراحهم عليها إدامة الحرب، وكراهتهم لما جنحت إليه الوزارة

الكاملية من السلم، وعقد الهدنة للبحث عن شروط الصلح.

إن كل ما عرفناه من مساعدة العالم الإسلامي للدولة في حربها هذه هو أنهم

أمدوها بإعانة لا تتجاوز نصف مليون من الجنيهات إلا قليلا، إلا أن يكون هنالك

إعانات خفية عنا وعن غيرنا، وليس هذا بالذي ينهض بمثل هذه الدولة الكبيرة،

ولا إظهار الغيرة عليها بالذي يدفع عدوان الدول عنها، بل يخشى أن يكون مغريا

لدول الاستعمار بالتعجيل عليها، فأنا لا أزال أعيد ما بدأت من القول بأن الدولة

على خطر، وحل المسألة الشرقية أقرب غائب ينتظر، وأدعو عقلاء المسلمين

خاصة إلى التفكير في المآل وإعداد ما يستطيعون له من العدة والمال، وما بعد

الجهد إلا العزم والاتكال، وإنني أشير إلى شيء من ذلك بالإجمال:

مستقبل الإسلام والمسلمين:

أهم ما يهم كل مسلم في الأرض أن يكون للإسلام سلطة تقام بها شريعته،

وتحيا بها دعوته، وقد كان المسلمون لفشو الجهل فيهم مغرورين بحكوماتهم

ودولهم، ولم يكن غرور التابعين للدول ذات التاريخ الكبير كالدولة العثمانية، بأشد

من غرور التابعين للدول ذات التاريخ الصغير كسائر الدول الأفريقية والآسيوية،

ولكن الغرور بالدولة العثمانية تجاوز بلادها إلى الملايين من المسلمين الذين استولت

عليهم الدول الأوروبية في الشرق والغرب، وإن هذا الغرور قد أوصل السلطة

الإسلامية إلى درجة الخطر - خطر الفناء والزوال - فوجب على كل عارف مخلص

أن يصرح للمسلمين بما يعرف، وقد كنا في السنين الغابرة نكني، ولكن الوقت

ضاق عن الكنى.

ولو عرف جماهير المسلمين كنه حال دولهم وحكوماتهم من قبل لجد العقلاء

في السعي لإصلاحهم وحفظها، ولكان الفوز أرجى لهم من الخيبة، ويجب أن يعرفوا

الآن ما جهلوا من قبل، وإن كان الرجاء في السعي الآن أضعف، ولكن المسلم لا

ييأس ولا يقنط، ولقد كان أكبر بلاء الدولة العثمانية من بعض رجالها الذين يئسوا

منها في الزمن الذي دب فيه إلى مسلمي الآفاق الرجاء فيها، وما زلزل غرور

المسلمين وأزال بقايا غرور غير الحكام من العثمانيين، إلا هذه الحرب البلقانية،

فإذا كانت ثمرتها أن نعرف حدنا ونهتدي إلى رشدنا، فنعرف كيف ندرأ خطر

الزوال عنا، فإن هذه الحرب تكون - كما قلت من قبل - أكبر نعمة علينا.

ألا فليعلم من لم يكن يعلم أن وجود الدولة العثمانية في أوربة هو سبب

غرورها وفقرها ومولد الفتن فيها، وهو الذي جعل رجال الدولة يحتقرون بلادها

في آسية وأفريقية وجميع الشعوب الذين في هذه البلاد، فكل قوة الدولة تعد في

ولاياتها الأوروبية ولولاياتها الأوروبية، ومعظم أموال الدولة تصرف فيها،

وعاقبتها للأوروبيين دون العثمانيين؛ لأن أوروبة كلها مجمعة على ذلك، ولكن

تنفذه بالتدريج، فلا ينبغي أن نأسى على ما يزول من أملاك الدولة في أوروبة،

ولا نفرح بما يبقى منها، وإنما ينبغي أن نوجه كل عنايتنا إلى أملاكنا في آسية،

وأن نقيم بناء الإدارة والإصلاح فيها على الطريقة التي يسمونها اللامركزية.

فتجب العناية قبل كل شيء بجعل كل من يقدر على حمل السلاح في كل قطر

من الأقطار جنودا مستعدين للدفاع عنه إذا هاجمه العدو، وأن يكونوا في هذا

متكافلين متعاونين بنظام يوضع لذلك، وأن يكون أول ما يبدأ به من ذلك الحجاز

والبلاد المجاورة له، وأن يكون كل ما يجمع من المال لإعانة الدولة خاصا

بتحصين الحرمين الشريفين وما حولهما، وإعداد تلك البقاع كلها للدفاع عنهما،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٦